المتخيل
ربما يظن البعض أن المخ هو محرك العقل ؛ فهو كفيل بأن يعمل من تلقاء نفسه باعتباره مركزا للتفكير الذهني ، كأن نقوم بإجراء عملية حسابية في الحال أو كأن نخطط للخروج من ورطة مستعصية كرد فعل مباشر و حتى من مشكلات كثيرة لا تنتهي على مسرح الحياة ،
و قد يخفى عن الأعظمية أنه يمكننا أن نعتمد على جزء معنوي ، لا نشعر بوجوده معنا ، جزء يعمل وفق تراكمات ماضية ، لم تتعرض للنقد طيلة مدة اجترارها لتصبح مسلمات ثم مع مرور الوقت ترقى إلى مرتبة القداسة فتشكل في الأخير إرثا يوازي الإرث الديني و هذا ما نطلق عليه اسم المتخيل ، فالمتخيل بنصب الياء هو كل ما لا يؤمن بتاريخية الأشياء ، و لكن في حقيقة الأمر لكل عرف أو نظرية أو نمط حياة ظروف تشكيل و انبثاق ، خاصة بزمن ما ، في مكان ما مختلف عن أي مكان أخر ، ولابد للعقل أن يعيد النظر في كل هذا بما يلاءم العصر فتطور الإنسان ، و من هنا بالذات سأنتقل إلى حلقة الوصل بين المتخيل و بين مشهد من بين عديد المشاهد المتكررة في السينما المصرية الماضية على وجه الخصوص ، ومن المدهش أن الرواية كانت هي الأخرى حاضرة في صناعة هذه المشاهد ، مما يعني بروز وجهة نظر كاتب و لكن من دون أن نلتمس منه الحل في نهاية كل فيلم ، هو يقف مدينا بضم الميم و غير مدين و لا أدري لما لم يفلح السيناريست هو الأخر في تغيير فكرة هو في حقيقة الأمر كان يكرسها في كل مرة ، و كأنه مؤمن بالشخصية و هي تدخل النفق المظلم من دون أن يخرجها منه ، و حتى إن أعادها إلى طريق النور ، يجعلها تتوب و كأن شيء لم يحدث ، هكذا يمر خلسة ، من دون أن يقول العكس و هو يقتحم الثالوث المحرم ، السلطة ، الدين و الجنس ، فلماذا يا ترى لا يجازف و يوحي للمشاهد أنه ليس صحيحا ، و لكن ليس صحيحا ماذا ؟ أن الأم الفاضلة ، الوقورة في نظر الكل ، المربية المجتهدة ، لا يمكنها أن تلعب دور العشيقة لزوجها و بامتياز ؟؟ لأن المخرج في ما بين القصرين على سبيل المثال، تفنن في إظهار عقلية الرجل السيد في بيته ، الذي يأمر و ينهي و يستحضر هيبته في كل موقف يحدث ، الذي يحشر أنفه حتى في خصوصية كل فرد من عائلته ، و لكنه في الخفاء يتخذ من إحدى الراقصات خليلة له ، ليس لأن زوجته لا تصلح لهذا الدور ، بل لأنه عاجز على أن يتصور المرأتين مجتمعتين فيها ، ولا ندري إن كان يرى في ذلك قمة التناقض ؟ و في كل مرة يجتهد السيناريست في تأكيد هذا التصور ، في كل لقطة ، في كل نظرة ظالمة ، أنانية ، طبعا كل رجل إذا في النهاية يحتاج لامرأتين ، واحدة أم لأولاده و الأخرى عشيقة له ، هذا هو سبيل السعادة ، فالخيانة إذا لم تعد خطيئة ، إنها تعزز مكانة الزوجة في نظره ليقبلها ببرودها الذي هو في حقيقة الأمر طرفا فيه ثم يدعيه عليها ، و تؤمن له في نفس الوقت حبا ؟؟ و بقي هذا الرجل إلى يومنا هذا يرسم لزوجته حدودا لا يمكنها أن تكون إلا في خياله المريض ، حتى الشاب اليوم يعبث بمحبوبته ، يسكن بها نواياه الخبيثة و يبني لها قصورا من الأحلام و لكنه في العمق ، يبقي مستقبله في مأمن عنها ، منتظرا أم أولاده ، الفاضلة التي ستنتهي معها كل مغامراته العاطفية ، فهو قد اكتفى و هي لا يمكنها أن تتصرف إلا وفق تصوراته ، تخفي اللهفة ، و تطفئ الشوق ، و لا ندري إلى أي قدر انحط هذا الرجل ليتخذها آلة لإنجاب الأولاد فقط ، العواطف يا عزيزتي عبث ؟طيش شباب لا أكثر و العجيب بأمره أنه يدري بكذبه ، فهل هذا انفصام شخصية أم ماذا؟ ، و لكن و لحسن الحظ بدأ هذا التصور بالتلاشي عندما بلغنا عصر ما بعد الحداثة ، التي استوردنا ها من هناك طبعا ، من الضفة الأخرى و إن لم نقل أن نقدنا كالعادة يأتي متأخرا ، إلا أننا يجب أن نخطه باليد و نؤرخ حتى لبواعث تخلفنا ، لأن الانتكاس لسنا بمأمن عنه بعد كل فترة من فترات الانتعاش ، و رغم ضرورة مثل هذا النقد و إن لم نقل يجب تقويته و لكن إلى هذا الوقت ، مازال الكاتب مستمرا في نسج مغامرات في الظل و يقول هذا أدب ؟ و ربما لا يدري أنه كرس لنفسه المتعة و صنع للأخر متخيل؟
خاص موقع يارا صبري
كل ما نشر في منبر القراء لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع






