ليس سراباً...بين الصواب ونقد الصواب
قبل الشروع في كتابة هذا المقال شعرت أني سوف أكون أمام أطول مقال في حياتي بسبب كثرة الأسئلة وتشعب المحاور التي يجب أن أغطيها عندما أتحدث عن عمل فني يحمل قيمة اجتماعية عميقة و حياتية وعلى درجة عالية من الحساسية.
لهذا قررت أن أتحدث في مقالي هذا عن الجوانب الأكثر أهمية وهي نتيجة العمل و علاقتها بالصورة التي قدم على أساسها في أكثر من ثلاثين حلقة.
البحث عن مجتمع علماني أو مجتمع يعكس الصورة المثالية التي يتمناها كل شخص متحرر على صعيد الثقافة والفكر كان الهاجس الأول للكاتب فادي قوشقجي الذي فاجأنا بنص يختلف بشكل جذري عن سابقه (على طول الأيام)
نص يحتكم على أسئلة جدلية تطرحها الشخصيات على بعضها بصورة مبطنة كي نشعر نحن –المتلقون- بأنها أسئلة تخصنا وتخص علاقاتنا الشخصية .
محاولات حقيقية وذات تركيز عالي قدمها الكاتب على صعيد جعل الشخصيات تتحدث بلسان حالها دون الوقوع في مطب الانجراف خلف العواطف والمشاعر في سرد الحوارات وترتيب الأحداث.
أحداث حكاية العمل تتشابك وتتقاطع في نقطة واحدة "جلال جديني" الكاتب الذي عبر عن شخصيته العلمانية بزواجه من فتاة مسيحية جمعته بها الصدفة التي فتحت باب الحب العاصف وهو الشخص الذي مثل مع صديقة " ميشيل" وجهي العملة التي تحمل اسم التحرر والاندفاع العملي للنهوض بالمجتمع و السعي لتخليصه من بعض العادات والتقاليد التي تقيد فكر الإنسان الذي خلق أنسانا قبل أن يحمل ديناً معيناً ورثه عن أبيه وأمه.
في نهاية المقدمة الطويلة لي شخصياً اعتراضان بسيطان.
الصيغة التي جعل فيها الكاتب"فادي قوشقجي" من بطل العمل " جلال جديني" بطلاً يسقط في نهاية القصة معلناً كسر شوكة العلمانية وإن كان فيها الكثير من تحريك المشاعر و جعل المشاهد ينساق خلف عاطفته ليحزن على جلال هي طريقة إجبارية لا اختيارية في حل عقدة العمل وبالتالي هي طريقة تقودني أنا كمتلق وبشكل مباشر نحو الباب المغلق قبل الخوض في أي تجربة من هذا النوع وبالتالي فإن هذا الحل الدرامي " السيء " ومن وجهة نظري هو حل يلغي الفكرة العامة للنص.
أعلم تمام العلم بأن حل مشكلات المجتمع ليست وظيفة من وظائف الدراما لكني أشعر بأن هذا الفن الذي يمثل حالة إعلامية واسعة الانتشار يجب أن يحمل في طياته بصيص أمل بالحد الأدنى هذا البصيص الذي جعل منه الفنان عباس النوري ضرباً من ضروب الأمل رافقني ورافق كل من يساند الأفكار العلمانية في المجتمع حتى جاءت وفاته المتوقعة لتعلن نهاية مبكرة لأمل دام 31 حلقة.
عشرة مشاهد صامتة في الحد الأدنى ضمن كل حلقة لم تقدم في معظمها أي قيمة درامية أو قصصية لم يكن من شأنها أن تخدم العمل في شيء أكثر من كونها قد جعلته يجاوز في عدد حلقاته الثلاثين حلقة.
مخرج يمتلك من الهدوء والقدرة على التعامل مع النص ما يمكنه من تقديم الحلول البصرية والإخراجية التي تغطي في معظم الأحيان على الجوانب السلبية في حلقات المسلسل.
على ما أظن فإن ازدحام الأفكار في مخيلة هذا المخرج الطموح منعته من ملاحظة أن مشهد خروج "حنان " من دورة الكومبيوتر أو اللغة الإنجليزية كان يتم في ظل ارتداء الممثلة لنفس الملابس ومرافقة ذات الكومبارس لها وأحياناً استقلالها لذات سيارة الأجرة مع نفس السائق وقس على ما شابه ذلك من أخطاء بسيطة .
ولم أكن لأسمح لنفسي بالتعرض بالنقد السلبي لهذا العمل لولا فخري به وبكل من شارك به و شعوري بأمل درامي آمل ألا يتمكن أحد من إخماده في يوم من الأيام.
في انتظار عودة الأستاذ المثنى صبح في عمل أكثر جودة في رمضان القادم
وفي انتظار توغل الكاتب الأستاذ فادي قوشقجي في هموم هذا الشرق السعيد
وفي انتظار ظهور المبدع عباس النوري في عمل يحمل هذا العبء التمثيلي الكبير...
على المحبة أتمنى أن ألقاكم
رامي كوسا- خاص موقع يارا صبري






