خفايا
كان يعلم كثيراً من الخفايا ... لكن الغريب دائماً أنه لم يكن يعتبرها خفايا
بالنسبة له لم تكن مراهقة أخيه الصغير - الذي يكافح من أجل إرضاء غرور المجتمع والحصول على درجة ممتازة في الشهادة الثانوية
ولم تكن الخلافات اليومية الناشبة بين والده ووالدته حول أسباب كثيرة كرداءة فرش المنزل والحاجة إلى التجديد - الذي لم يكن في وسع أبيه أن يعلم أنه جزء من شخصية الأنثى – وحول غيظ الأم من أنانية الزوج المنبعثة من ذكوريته المفرطة وحول الجنس الذي قرر أن يعدل عن دوره كركيزة في استمرارية الحياة بين أبويه ليتحول إلى سبب حقيقي للخلاف اليومي ... هذا كله لم يكن خفايا
ولم تكن أحلام والدته في أن ترى دخل أولادها يفوق دخل زوجها القنوع أو ربما الكسول بمليون مرة ... خفايا
ولم تكن غفلة أهله عن مشاكله النفسية التي يجب ألا يظهرها للعيان بحكم أنه البكر وأنه المعد ليكون رجلاً بعد 3 سنوات ... خفايا
ولم تكن معاناته وحيداً في غرفته وهو يبكي مقبلاً وسادته ... خفايا
ولم يكن حلمه في أن يقبل باطن كف حبيبته التي أرغمته أن يكون صديقاً
لا حبيباً.. خفايا
ولم تكن رائحة العفن التي تنبعث من شوارع مدينته المتخمة بالروتين ...خفايا
ولم تكن دموع أمه التي ضُرِبَت ذات يوم ..خفايا
ولم تكن الرجولة المزيفة المصبوبة فوق رأسه ليل نهار والتي تمنعه أن يذهب إلى أمه ليقول لها أنه يحبها في يوم ميلادها ... خفايا
كان يبكي لأنه يعلم كل تلك الخفايا
كان في كل يوم يعلم شيئاً جديداً ... ويحزن لأنه علم ...
وكلما شاهد القمر في نهاية يومه المرهق كان يصلي لربه الذي مل صلاته ودعاءه اليومي فيقول:
يا رب السماء ..
أرجعها خفايا .. وأرجعني شاباً يعشق الحياة لأنها مضيئة .. لم أعد أريد ثوب الرجولة ... لم أعد أريد أن أكون فخراً لوالدي بقدر ما أريد أن أكون طبيعياً
لم أعد أريد أن أكون رجلاً لأن المجتمع يحب الرجال ..بل أريد أن أكون رجلاً لأن الدنيا خلقت بالرجل وبالأنثى...
في عيد الميلاد المجيد ...
شعر بإيماءة ما ... هو صوت الرب في السماء يخاطبه في نومه ؟؟؟
شعاع نور ما ... روح خلاقة جديدة دبت فيه ...
ربما كان وهماً... لكن أجمل ما فيه أنه أمل باستمرار الحياة و مجابهة كل صعابها
هذه أول مرة يسر بالخفايا....
على المحبة نلتقي ..








التعليقات
مرور لطيف.
كلام يدغدغ العاطفة ويضفي على المشاعر لذة لقراءته..
صورك جميلة جداً وأجمل مافيها أنها بسيطة ومن الواقع توضح بعمق مدى حبك لقراءة الروايات والأدب عموماً..
وكما ختمت كلماتك أختم
على المحبة نلتقي..
النشرات الاخبارية للتعليقات على هذا الموضوع.