الزواج قانونا..  هو عقد بين رجل وامرأة تحل له شرعا غايته إنشاء رابطة للحياة المشتركة والنسل.
عمليا.. هو مؤسسة اجتماعية تجمع بين طرفين ضمن عقد شرعي, وموثق ضمن سجلات مدنية خاصة، وينبثق من هذا العقد العديد من الالتزامات والواجبات والحقوق.
وأول وأهم هذه الواجبات هم الأطفال الناتجين عن العقد، واللذين بدورهم هم بحاجة إلى العناية على مستوى عالي من المسؤولية تجاه تربيتهم وتقديم الدعم المعنوي والذي يضاهي بأهميته الدعم المادي .
ولكن مالذي يمكن توقعه من تربية أطفال من قبل أهل لازالوا ضمن سن المراهقة!!

إن نسبة الزواج المبكر في بلادنا قد ارتفعت إلى نسبة عالية، برغم كل المساوئ الناجمة عن هذا الزواج .
وقد بين تقرير ملتقى السكان الأول ان معدل الولادات في سورية وصل إلى مولود كل (68) ثانية لتصبح سورية ثالث دولة في العالم في زيادة عدد السكان, حيث أن سوريا تزداد حاليا مليون نسمة كل عام خلال العشر سنوات الأخيرة,مما يشكل خطرا على الموارد الطبيعية والتنموية, وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى الزواج المبكر.

فلا زال الأهل يسعون إلى تزويج ابنتهم بمجرد أن تكون قد وصلت إلى مرحلة البلوغ , فقط تكريسا لمعتقدات ومواريث عرفية تنظر إلى الزواج للفتاة على انه ستر لها وضرورة لدرء أي أخطاء قد تتسبب بها مادامت بدون زواج..
وكلما تم التبكير والإسراع  في زواجها كلما تم تجنب درء طيش مراهقتها 
السيدة (ي) تحدثت عن تزويج ابنتها التي لم تبلغ السادسة عشرة
" ابنتي جميلة  ومرغوبة وتقدّم لها (عريس لقطة) ولدي غيرها ثلاث بنات (وحدة وبخلص من همها) بيكفي عندي أربع بنات!!

ومن الناحية الاجتماعية إلى الناحية القانونية ، نرى أن قانون الأحوال الشخصية الحالي  يشجع الزواج المبكر, فهو يشترط في أهلية الزواج (العقل- البلوغ) وليس سن الرشد (وهو سن بلوغ الطرفين الثامنة عشرة) علما ان الطلاق يحتاج إلى الأهلية وبلوغ الثامنة عشرة بالنسبة للرجل .
فالقاضي يسمح بالزواج للشاب في سن الخامسة عشرة والفتاة في سن الثالثة عشرة إذا وجد احتمال وقوة في جسيميهما وقد وصلا لسن البلوغ، ومع موافقة ولي الأمر بالنسبة للفتاة ..

وكأننا نمسح تعقيدات مؤسسة الزواج  بكل مشاكلها ومسؤولياتها التي تبدأ من لحظة الزواج إلى نهاية الحياة بتعبير واحد وجده المشرع كافيا للحياة المشتركة وهو احتمال الجسمين !!

من الناحية الاقتصادية:
 أن ارتفاع حجم العجوزات المالية في الاقتصاد السوري، وارتفاع نسبة الفقراء وانخفاض مستوى المعيشة, سببه الذروة  في الزيادة السكانية، إضافة إلى ان زيادة عدد السكان يؤدي إلى  تفاقم المشكلات البيئية، ونقص مصادر التمويل اللازمة لمتطلبات التنمية..

دعاة الزواج المبكر يدعون إليه لعدة أسباب منها تنظيم العلاقات الاجتماعية منعا للانحدار لكلا الطرفين, وكون الزواج سكينة للنفس، وضمان لاستمرار النسل .
واغلب قوانين الدول العربية تدعو إلى الزواج المبكر منها :
القانون الإماراتي جعل سن الزواج للشاب بـ 18والفتاة 16
القانون الأردني جعل سن الزواج للشاب بـ16والفتاة 15
القانون التونسي جعل سن الزواج للشاب بـ20والفتاة 17

ولو ابتعدنا قليلا عن تعقيدات الحياة ومشاكلها إلى السن العمري للطرفين ..
إلى عدة نواحي كالناحية الثقافية والتعليمية والصحية  للمرأة والشاب .

المستوى الثقافي والتعليمي للزوجين
الفتاة التي تتزوج مبكرا قبل إنهاء دراستها الإعدادية أو الثانوية تخسر فورا مدرستها لان قوانين وزارة التربية تمنع  المرأة المتزوجة من البقاء في مدارسها الوطنية, ومن ثم فهذا تشجيع غير مباشر على تسريب الطالبات خارج إطار المدرسة,وزيادة نسبة الجهل بين النساء المتزوجات لعدم استطاعتهن إكمال دراستهن وبالتالي لن يكون باستطاعتهن تقديم إلا القليل والبسيط من معلوماتهن الدراسية  المتواضعة لأطفالهن مستقبلا .
حتى الشاب قد لا يستطيع إكمال تعليمه ،ويجد نفسه أمام أعباء مادية كبيرة تثقل على عاتقه ،وينحصر فكره في كيفية تلبية المزيد من الدعم المادي للعائلة .
وينحصر فكر الرجل بعيدا عن أي ثقافة تعليمية إلى ثقافة العمل والتي  ستنعكس سلبا على طريقة تعامله مع زوجته وأطفاله .
السيدة (أ) تزوجت بسن الرابعة عشرة.. الآن وبعد مرور عشرين عاما على زواجها تقول بأنها سعيدة بأن أولادها كبروا بسرعة أمامها, لكنها تشعر بأنها فقدت فرصتها في التعليم أو العمل  والحصول على صديقات خارج الإطار العائلي
تقول :
"أولادي يخرجون إلى مدارسهم صباحا وأبقى وحيدة في المنزل وفي المستقبل سيمضون وقتا أطول في الجامعة".

من الناحية النفسية والاجتماعية
الفتاة عندما تتزوج في عمر مابين 13الى 18 تكون عواطفها لازالت تفيض بالكثير من المشاعر الغير متوازنة ، وعندما تطرح لديها فكرة الزواج والعريس ،غالبا تسعد لهكذا فكرة ،فهي لن تفكر إلا بطريقة رومانسية وعاطفة جياشة بعيدة عن التفكير بأي مسؤوليات .
 أو قد يفرض عليها هذا الزواج من قبل الأهل بحجة أنها طائشة أو صغيرة ولا تستطيع اتخاذ القرارات الصائبة في حياتها والتي يتنضح بها غالبا ولي أمرها, لتبدأ حياتها مع رجل مجهول عنها تماما..
 فهي إما  أن تستطيع أن تكبر بسرعة وتتوازن مع مسؤولياتها الجديدة، أو أن تبدأ بتشكيل عائلة مفككة من الصعب إعادة التوازن لها ..وخاصة إن صغر السن يمنع المرأة من اتخاذ أي قرار لها على مستوى منزلها وعائلتها وأطفالها ،لتكون دائما على الهامش .
وفي التعمق بهذه الناحية نراها هي السبب الأكبر لهروب أحد الطرفين  أو كلاهما من فشله في إنجاح هذه العائلة, إلى علاقة خارج إطار الزواج بالنسبة للشريكين، ليبحث الرجل عن تشكيل لعائلة أخرى بحجة أن الأولى قد فشلت, وهذا طبعا يكون بداية نهاية العائلة .

من الناحية الصحية
عندما تتزوج الفتاة في سن صغيرة ،تكون بنيتها ضعيفة وغير قادرة على الحمل والإنجاب بشكل صحي وسليم  ورعاية طفل جديد يزيد من أعبائها ، فكيف نطلب من طفل كبير  أن يتولى على عاتقه تربية وتحمل مسؤولية طفل صغير..
الدكتور (حسام صطوف) أخصائي  في الأمراض النسائية بيّن تأثير الحمل والإنجاب على السن الصغير للفتيات :
" الزواج المبكر تحت سن 18 له أخطار متعلقة بالحمل
حيث تزداد نسبة حدوث الانسمام الحملي أي ارتفاع الضغط الشرياني أثناء الحمل.. وطبعا يعد هذا المرض من أخطر الاختلاطات التي تعرقل الحمل وهو أهم سبب للوفيات حول الولادة للأمهات والأطفال, كما تزداد نسبة الولادة الباكرة لعدم نضج الرحم وأيضا تزداد نسبة الإجهاض"
 
بالنسبة للولادة أفاد ( د. صطوف) :
" تزداد نسبة حدوث التمزقات التناسلية لقساوة الطريق التناسلي بهذه الأعمار
وكما تزداد نسبة حدوث سرطان عنق الرحم بسبب ممارسة الجنس باكرا".

وقد أثبتت آخر دراسة أجريت إن معدلات الوفيات تزداد لدى النساء الحوامل ضمن سن 13الى سن 17
وكذلك نجد أن الاجهاضات المتكررة تزداد لدى النساء صغيرات السن .
مع العلم أن الزواج في سن مبكرة هو ضد تنظيم و تحديد النسل والذي ننادي به في كل لحظة .
 

 فإذا كان الإنسان لا تكتمل أهليته إلا بتمام الثامنة عشرة, فكيف سمح المشرع للطرفين بالزواج قبل هذا السن!!
الا تعتبر مسؤوليات الزواج بحاجة إلى اكتمال الأهلية للطرفين !!
أم إن الزواج هنا ترك وسيلة للتسلط والتعدي على حريات الطرفين عن طريق أهل وذوي الطرفين، ووسيلة أيضا ليترك هذين الطرفين عرضة لكل الإشكالات التي تواجهما بدون أي مساعدة أو بدون امتلاكهما القدرة العقلية الكافية على حل هذه الإشكالات .
نحن بحاجة إلى تعديل القانون الخاص بالزواج لرفع سن الزواج على الأقل إلى سن الثامنة عشرة وللطرفين معا
وطبعا يجب تطبيق ذلك على كل أنواع الزواج سواء الزواج الرسمي الموثق ضمن سجلات رسمية أو الزواج العرفي على وجع الخصوص ، حتى لا يكون هذا الأخير وسيلة للزواج ومن ثم يشكل ضغطا على القاضي لتسجيل هذا الزواج بحجة وجود الحمل .

ربا الحمود
منشور ايضا بالبناء