في البدء كان برنامج السالب والموجب الذي حكى قصصا ووقائع حقيقية عن العنف المنزلي فدخل البيوت الموصودة بأغلال الجهل والتخلف والفقر، واقتحم أسرارها فنشر غسيلا وسخا كان لا بد منه كي تعقمه الشمس لعلّه يطهّر، فحكى حينها في الثمانينات عن فتيات يحتجزن على ظهر العليّة مقيدين بالسلاسل لا لذنب سوى أنهن إناث وربما يجلبن العار إن ظهرن إلى النور،
alt

 

 

وحكى عن قصص سفاح بين آباء وبناتهن بين أخوة وأخوات، تحت تهديد القتل والتشرد ولمس قضايا في الخفاء للصراخ بوجه المجتمع الصامت الظالم مؤكدا انه توجد في مجتمعاتنا ظاهرة تسمى العنف المنزلي رغم التعتيم الإعلامي والمجتمعي وأوّل من أصغى إلى هذا البرنامج ،والذي كان يعده ويقدمه الإعلامي (توفيق حلاق)، كانت رهبنة الراعي الصالح في لبنان التي أرسلت جزءا من رهبنتها لتؤسس في دمشق راهبات الراعي الصالح لمساندة ضحايا العنف الأسري في سورية، وبدؤوا منذ ذلك الوقت على العمل بمساندة من الناشطين في المجتمع من جميع الطوائف والأديان ومن مختلف العقائد والانتماءات ليثبتوا أهمية التشاركية في إصلاح المجتمع ومع ذكرى مرور ربع قرن على وجودها في سورية قدمت مشروع "هاتف الثقة" لمساندة النساء ضحايا العنف المنزلي في سورية، وجهّزوا للبدء به بتدريب كوادر للاستماع لضحايا العنف المنزلي وإرشادهن إلى اختصاصيين اجتماعيين ونفسيين وقانونيين متطوعين لهذا العمل لدعم النساء ليصبحن قادرات على مساعدة أنفسهن لإيمانهم بان القوة تنبع من داخل الإنسان وانه هو فقط القادر على مقاومة الظلم الذي يحيط به.

هذا باختصار المشروع الذي بدء تنفيذه منذ ما يقارب العامين وأصبح لأول مرة في سورية خط لمساندة النساء المعنفات وهو هاتف الثقة الذي تحدثنا عنه رئيسة راهبات الراعي الصالح في دمشق(ماري كلود نداف) فتقول:
"إن هاتف الثقة أتت فكرته من الحاجة الحقيقية له بأن تشعر المرأة المعنفة بأن هنالك من يسمعها وينصت إليها وأنها ليست لوحدها.  أما طريقة الاتصال فهي من خلال الهاتف الرباعي الموضوع على البروشور (9219) وبأوقات مختلفة من اليوم لترد عليها إحدى المتخصصات واللواتي تدربن على الإنصات للنساء ضحايا العنف وبطريقة تقنية كي تعطيها الدعم المعنوي المناسب من خلال التفهم وعدد من الاستجابات تعرفن عليها من الدورات التدريبية والتي دامت أشهرا ومن جهة أخرى يتم إحالة الحالة حسب الحاجة إلى أخصائي اجتماعي أو نفسي أو قانوني لدراستها وبالتالي مساعدتها على تجاوز المشكلة، وهذا الهاتف يتم الاتصال به بسرية تامة بمعنى أن النساء المتصلات لا تعرف هويتهن ولا يوجد كاشف لمعرفة الرقم وذلك لأمان المرأة المتصلة وسريتها ماعدا الحالات التي تريد هي الإفصاح عن نفسها لحمايتها من خطر محدق".
وعن الدورة التدريبية سألنا الدكتور (مطاع بركات) اختصاصي الإرشاد النفسي في جامعة دمشق الذي تحدث عنها فقال "كان البدء هو التدريب على التعامل مع المعرضين للصدمات وهو من ضمن التدرب على أصول المساعدة لضحايا العنف بأشكاله والآن هو التدرب على فن الإصغاء كي يتمكن المجيب على مساعدة المتصل على فهم نفسه ومشكلته ودوره وواجباته فالعمل ليس بغاية إيجاد حل لمشكلة إنما هو مساندة ودعم كي تستطيع السيدة توظيف طاقاتها لحل مشكلتها وتكون لديها المسؤولية للمواجهة وهذا هو هدف خط الثقة فمهما كثرت مصادر الدعم الخارجي لا تكفي لدعم المعنفة إنما هي تحتاج لدعم داخلي ينبع من ذاتها،.وهذا التدريب المقام للمساعدين مستمر ولن يتوقف عند هذه الدورة بل سيرافقهم طيلة عملهم مع المعنفات ليتمكنوا من العمل بطرق علمية وبشكل مدروس ودقيق"
ويحوي هاتف الثقة عددا من المتدربات على فن الإصغاء لضحايا العنف بأكاديمية ومجموعة من الكوادر التي تعمل في مجالات مختلفة كالمحامين والمحاميات وطبيب شرعي واختصاصين اجتماعيين ومعالجين نفسيين وكلهم يعمل بشكل تطوعي أي دون مقابل مادي، وطبيعة العمل التشاركية هي التي تعنون هاتف الثقة وهذا ما ظهر واضحا من التعاون ما بين عدد من الجهات و الأديان كما في مشاركة مركز الدراسات الإسلامية في دمشق من خلال السيدة أسماء كفتارو والتي هي من ضمن فريق العمل الفعّال في هاتف الثقة وتعتبره تجربة رائدة ومميزة في سورية فترى أن عملها هنا في هاتف الثقة ينبع من الإيمان بفكرته التي ستساعد الكثير من السيدات المعرضات للعنف المنزلي (نفسي، قانوني، اجتماعي) لأنه سيساعدهن على أن يقررن بأنفسهن ما يريدن دون التدخل المباشر في حياتهن وهذه نقطة هامة في العمل أننا لا نقحم عليهن الحلول بل نساعدهن على إيجادها.
وتقول ( س) وهي من فريق الإصغاء الذي يتكتم حتى على أسماء أشخاصه في المجتمع نظراً للسرية المطلقة والتي هي من شروط ومبادئ الهاتف، لكي لا تفقد النساء الثقة والمصداقية تجاه هاتف الثقة :
"لقد تدربنا على مدى شهور طويلة على طرق الإصغاء للنساء المعنفات وكيفية تلقي هذه الاتصالات من جميع النواحي بدءا من نبرة الصوت انتهاء الى ختام الكلام فالمرأة المعنفة بحاجة لمنصت جيد أولا كي تستطيع البوح وهذه بداية حل المشكلة، أما عن تجربتنا فهي تعتبر ناجحة لكن المقياس الحقيقي هو الاستمرارية والانتشار والتجاوب من مختلف فئات المجتمع السوري وهذا ما نامله كفريق تطوع لخدمة مجتمع يستحق منا الكثير".
بداية هذه الخدمة مخصصة  للنساء ضحايا العنف في دمشق لتشمل سورية بأكملها من خلال شبكة علاقات مع أطباء من مختلف الاختصاصات ومراكز الشرطة و المشافي و المحامين وغيرهم ممن يستطيع الدعم بأشكاله المتعددة.
ويظهر من البروشور التوضيحي للهاتف ماهيته التي تقول لست وحدك نحن معك لأجلك لأمانك نسمعك نصدقك نتفهمك الصمت لن يحل المشكلة والرقم هو(9219).
وتأتي أهمية هذا الهاتف بأنه يشق الطريق أمام وسائل عديدة أخرى تدعم المرأة المعنفة في سورية كمأوى للنساء المعنفات ومراكز حماية لعله يخفف العنف الواقع على المرأة والذي له أشكال متعددة قانوني ونفسي واجتماعي وجسدي وجنسي وخاصة إذا عرفنا أن المرأة في سورية ضحية للعديد من أشكال العنف الأسري والمجتمعي والقانوني فعدد المعنفات بحسب الإحصائيات المعلنة 19% من عدد النساء في سورية لكن الرقم الحقيقي تجاوز ذلك بمرات حيث أن النساء اللواتي يقتلن باسم الشرف في سورية وصلن إلى معدلات كبيرة بحسب ما يعلن عنه بأنها جرائم باسم الشرف، وفي دراسة للدكتور (بسام المحمد) أجراها على النساء ضحايا العنف المنزلي اللواتيراجعن مركز الطب الشرعي بحمص (سورية) بشكوى أذيات جسدية ناجمة عن العنف المنزليخلال الفترة الممتدة بين 2005 – 2004. حيث بلغ عدد الحالات 216 حالة.أن نسبة مراجعي مركز الطب الشرعي من ضحايا العنف العائلي الجسدي هي: 4% (هذهالنسبة هي فقط للحالات المبلغ عنها قضائيا) وفي أغلب الحالات الزوج هو المعتديثم الابن بنسبة 0.9% كما وترتفع نسبة العنف في الأسر التي يكون فيها الرجال مدمنين , والنساء صغيرات في العمر وبالتالي غير متعلمات. وكان الفقر صفة لأغلبالحالات لكن هذا لا يعطي أن العنف منتشر فقط ضمن الأسر الفقيرة؛ لكن ربما يستطيع الأغنياء حل مشاكلهم دون اللجوءللقضاء. فهم لا يأتون لمراكز الطب الشرعي إلا في حوادث السير. وبالتالي يصعب رصدالعنف الممارس داخل أسرهم وأشارت الدراسة إلى نتيجة مفادها أن المرأة المعنفةتلجأ إلى الصمت تجاه تعنيفها عموماً. فنسبة 99% من الحالات كان فيها الاعتداءمتكرراً، دون أن تلجأ سابقاً إلى الشكوى من العنف الممارس عليها. ووجه د. بساماللوم في هذا على النساء، معتبراً أن المرأة مسؤولة بصمتها هذا عن استمرار العنفالممارس عليها.
والآن بعد عامين على انجازه ظهرت الكثير من الحالات والتي تتجاوز الخمسمئة حالة لا تتعلق فقط بالمرأة بل بالرجل أيضا فهنالك الرجل المعنَّف أيضا لكن بمعنى آخر للعنف وهو حول كيفية تعامله مع أسرته، وعمل المركز على حل العديد من المشاكل وتنمية وتعزيز روح الثقة لدى المتصلين على اختلاف جنسياتهم وجنسانيتهم وأعمارهم ومستواهم التعليمي، وكان صداه بالفعل قوياً في مجتمع لم يألف بعد وجود جهات داعمة للعنف المنزلي، وأثبت أهمية هذا العمل الذي يساند العلاقات الأسرية ويدعمها.
فما دعى إليه هاتف الثقة أولا هو أن الصمت لن يحل المشكلة ويجب البوح بما لدينا كي نستطيع رؤيته ومعاينته، ومن ثم علاجه من خلال العلاقات التشابكية بين المجتمع الأهلي والحكومي،مع التأكيد أن القانون الجيد سيشكل حتما أرضية لمجتمع يحترم المرأة ويقتنع بحقوقها.
 
رهادة عبدوش
خاص موقع يارا صبري