ذوو الطفل التوحدي.. دراسة حول معاناتهم المركبة

لمّا كانت المعلومات حول اضطراب "التوحد" في مجتمعنا قليلة وغير دقيقة، وفي ظل ندرة الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين وفي هذا الاضطراب خاصة، وندرة مراكز التأهيل و العناية المسؤولة عن تأهيل الأطفال التوحديين، ولأن ذوي الطفل التوحدي يعانون من كل ذلك، بالإضافة إلى تحملهم عبئاً معنوياً و مادياً نتيجة لذلك مقابل تجاهل الوزارات المعنية لهم بشكل كامل، فقد وجدت أنه من الأهمية بمكان إجراء هذا البحث لاستيضاح درجة تفهم الأهل لطبيعة هذا الاضطراب، وذلك بهدف العمل سوية على رفع مستوى الوعي إزاء اضطراب التوحد في المجتمع.
وهنا لا بد من نبذة لنعرف ما هو التوحد؟
من الصعب إيجاد تعريف متفق عليه لاضطراب التوحد "Autism" و ذلك لتعدد الباحثين الذين اهتموا به ولاختلاف تخصصاتهم و خلفياتهم العلمية، إلا أن معظم التعاريف تركز على أن التوحد هو من أكثر الإعاقات التطورية صعوبة بالنسبة للطفل و التي تستمر مدى الحياة، وقد بدأ التعرف على اضطراب التوحد منذ حوالي 50 سنة حيث يعتبر البروفسور (Leo Kanner، 1943) أول من قدم تعريفا واضحا باعتباره اضطرابا ينشأ منذ الولادة و يظهر في السنوات الأولى من عمر الطفل و يتجلى بعدم القدرة على التواصل مع الآخرين و تأخر واضح في اللغة إضافة إلى التمييز بالروتين و مقاومة التغيير.
أما في أسبابه فقد اختلف الباحثون حولها ومازالت الأبحاث تتوالى بدأب في محاولة لاكتشاف الأسباب التي قد تؤدي إلى إجراءات علاجية و وقائية للتوحد، ولكن كل ما قدّم من إسهامات في هذا المجال مجرد فرضيات و أبحاث لازالت قيد الدراسة و البحث للتوصل لأسباب حقيقية واضحة تقود في نهاية الأمر إلى حالة التوحد.
للتوحد أشكال عدة يطلق عليها اسم "اضطرابات الطيف التوحدي" ولها مجال واسع من حيث اختلاف شدتها و درجتها و يبقى العامل المشترك لهذه الأنواع المتعددة هو العجز الشديد في القدرة على التفاعل الاجتماعي.
تتمثل أعراض التوحد بمظاهر عديدة حيث تكون المهارات الحركية غير متوافقة، ويفضل الطفل البقاء وحيدا، و لا يخاف من المخاطر المحيطة، يضحك و يقهقه بشكل غير مناسب، يدور الأشياء، يعاني من ضعف أو انعدام التواصل البصري، لا يستجيب للإيماءات اللفظية فيتصرف و كأنه أصم، ويقع فريسة نوبات اكتئاب لأسباب غير واضحة، وهو لا يريد أن يحضن أحد ولا أن يحتضنه أحد، يلعب بطريقة غريبة و لمدة طويلة، يعاني من صعوبة في الاختلاط مع الأطفال الآخرين، يتعلق بالأشياء بشكل غير مناسب، يظهر عليه عدم الشعور بالألم، و يصر على تكرار السلوك و يرفض التغيير في البيئة أو الروتين، يستطيع بناء لعبة التركيب، و يعاني أحيانا من نشاط بدني مفرط وأحيانا أخرى من خمول بدني، يقاوم الطرق الطبيعية للتعليم، و الطفل التوحدي أيضا يصعب عليه التعبير عن احتياجاته و يستخدم إشارات أو إيماءات للتعبير عن الكلمات، و يردد الكلمات التي يسمعها بشكل تسجيلي، بالإضافة إلى أنه يغضب و يبدو عليه الحزن دون سبب ظاهر أو منطقي.
يظهر التوحد بشكل نموذجي خلال السنوات الثلاثة الأولى من عمر الطفل، و يعتبر اضطراب التوحد من أهم الإعاقات التي تواجه صعوبات في التشخيص ولازالت الدراسات تحاول الوصول إلى تصميم و بناء و تطوير أدوات قياس و تشخيص يمكن الوثوق بها أكثر، و لكن بشكل عام، يتم التركيز على الملاحظة في ظهور أكبر عدد من الصفات السلوكية الغريبة مقارنة مع الفئة العمرية التي ينتمي لها الطفل، و خاصة ضمن الأعراض التي ذكرت سابقا.
أما علاج التوحد فلا يزال مجهولا، لأن أسبابه بالمقابل لا تزال مجهولة، إلا أن الدراسات تشير إلى أهمية البدء المبكر بالتأهيل من خلال برنامج تربوي تعليمي، ومع اختلاف البرامج التربوية العالمية المصممة للأطفال التوحديين لكنها اشتركت جميعها في التأثير الإيجابي الكبير على الأطفال المشاركين فيها حيث أن أهدافها واحدة في تحقيق الاستقلالية الذاتية للطفل التوحدي، وإكسابه المهارات الذاتية و المهارات المعرفية، و تحقيق التفاعل الاجتماعي و التواصل اللفظي، كما في التقليل من أعراض التوحد، و الضبط السلوكي.
ولأن هدفنا في النهاية متوافق مع هذه الأهداف الطموحة التي تعمل عليها الأسرة سواء تمكنت من وضع طفلها في جمعية أو مركز تأهيل متخصص أو لم تتمكن من ذلك، فقد عملنا لإنجاز هذا البحث مع أربع جمعيات متخصصة في تأهيل الأطفال التوحديين في القطر هي: "جمعية بيت السلام لأطفال التوحد" في دمشق، "جمعية الربيع" في حمص، "جمعية التوحد في اللاذقية"، و جمعية خيرية تعنى بأطفال التوحد في حلب، بالإضافة إلى أسر أطفالهم يجري تأهيلهم في المنزل فقط.
ولأن الأم هي الطرف الأكثر فاعلية في الإشراف على تربية الطفل، فلقد توجهنا بالأسئلة إليها، وكانت غالبية الإجابات من الأمهات.
جاءت الأسئلة في الاستمارة الخاصة بهذا البحث على عدة محاور، ففي المحور الخاص باكتشاف الاضطراب و التعامل معه جاءت النسب كما يلي:
- أول من شخص أو كشف أن الطفل لديه أعراض اضطراب التوحد:
1- طبيب نفسي: 22%. 2- أخصائي نفسي: 14%. 3- الأم:27%. 4- أحد من العائلة أو الأقارب: 18%. 5- طبيب أطفال:20%.
- الشخص الذي تلجأ الأم لاستشارته في وضع الطفل قبل وضعه في الجمعية:
1- طبيب نفسي: 51%. 2- أخصائي نفسي:27%. 3- رجل دين:3،9%. 4- أحد من العائلة أو الأقارب:18%.
- عمر الطفل عندما التحق ببرنامج علاجي منظم:
1- أربع سنوات:43%. 2- خمس سنوات:22%. 3- ست سنوات:22%. 4- أكبر من ذلك:11،8%.
- أول مرة عرض فيها الطفل على أخصائي نطق:
1- سنتان:10%. 2- ثلاث سنوات:18%. 3- أربع سنوات:14%. 4- خمس سنوات:16%. 5- لم أعرضه على أخصائي:43%.
- الشخص الذي يتجاوب معه الطفل ويتعلم منه أكثر:
1- أمه وأبوه:35%. 2- أخوه أو أخته:12%. 3- أصدقاؤه:2%. 4- معلّمه أو معلمته في الجمعية:47%. 5- أشخاص آخرون:3،9%.
وفي المحور الخاص بثقافة الأم خصوصا، و الأهل عموما، حول هذا الاضطراب وحول وضع الطفل التوحدي:
- الطفل يتصف بقدرات ومواهب خاصة في:
1- في الموسيقى:25%. 2- الرسم:18%. 3- الرياضة:24%. 4- الكمبيوتر:7،8%. 5- الحفظ الآلي:20%.
- تقييم أداء طفل في المهارات المختلفة:
1- أداؤه ممتاز:0%. 2- أداؤه جيد تجاه أقرانه:24%. 3 - أداؤه مقبول43%. 4- أداؤه دون المستوى المقبول:33%.
- تواصله مع الأشخاص من حوله:
1- ممتاز:7،8%. 2 - جيد جدا:12% . 3 – جيد:55%. 4- ضعيف:24%. 5- ضعيف جداً:2%.
- الاعتماد على نفسه في ما يخص نظافته الشخصية:
1 - دائما:5،9%. 2- معظم الأحيان:27%. 3- أحيانا:39%. 4- نهائيا:29%.
- الاهتمام بترتيبه وترتيب أغراضه وألعابه:
1- مهتم جدا:3،9%. 2- مهتم بشكل جيد:14%. 3- مهتم بشكل مقبول:25%. 4- غير مهتم إطلاقا:57%.
- البرامج التي ينجذب لها طفلك على التلفاز:
1 - برامج أطفال:20%. 2- أغاني:49%. 3- إعلانات:12%. 4- برامج أخرى:3،9%. 5 – لا يتابع:16%.
- إرساله بمفرده إلى السوبر ماركت لشراء شيء:
1- نعم5،9%. 2-لا:86%. 3- أحيانا:5،9%.
- الإجراء المتخذ لضمان الاستقرار النفسي لدى الطفل التوحدي:
1- برنامج يومي ثابت في المنزل:22%. 2- اللعب مع إخوته:27،5%. 3- عدم تركه وحيدا:39%. 4- لم أعمل على ذلك:12%.
- أولويات العمل مع الطفل بالنسبة للأم:
1- الاستقلالية الذاتية:47%. 2- المهارات المعرفية:12%. 3- المهارات التواصلية:22%. 4- المهارات الحركية:3.9%. 5- المجال الاجتماعي:11،8%. 6- المجال الأكاديمي:2%. 7- مجالات التفوق لديه:2%.
- العلاج الأنسب للطفل من وجهة نظر الأم:
1- العلاج السلوكي:53%. 2- العلاج الدوائي:5،9%. 3- اللجوء إلى رجال الدين:0%. 4- البرامج التربوية الفردية:35%. 5-الحميات الغذائية:5،9%.
- مرجع الأم في تأهيل الطفل:
1-الكتب الخاصة:9،8%. 2- دورات تدريبية:25%. 3- خبرات شخصية:20%. 4- طبيب:9،8%. 5- أخصائي:33،3%.
- الجهة التي تلجأ إليها الأم عند وجود مصاعب في الجمعية:
1- إدارة الجمعية:80%. 2- طبيب نفسي:5،9%. 3- أخصائي نفسي:0%. 4-رجل دين:7.84%. 5- أحد من العائلة أو الأقارب:5،88%.
- المدة اللازمة لتدريب وتأهيل الطفل برأي الأم:
1- سنتين:15،7%. 2- حتى يتمكن من الاعتماد على نفسه:25%. 3- حتى يبلغ أقصى قدراته:27،5%. 4-حتى يشفى:29%.
- الحاجة الأكثر إلحاحا لدى الطفل:
1- الحب:18%. 2- الثقة:14%. 3- كلاهما:68،6%.
- رغبة الأم بإتباع دورة تدريبية في أساليب التعامل مع الطفل التوحدي:
1- نعم:82،35%. 2- لا:17،64%.
أما حول الكلفة المادية للعناية بالطفل و تأهيله:
- تقدير الكلفة المادية:
1- مكلف جدا:34،10%. 2- مكلف:47،06%. 3- عادي:9،80%.
- الجهة التي تتحمل التكلفة المادية:
1-العائلة:76،5%. 2- جهات حكومية:0%. 3- جهات خيرية:23،52%.
- ضرورة أن يحظى بإعانة حكومية كونه يحتاج مرافق مدى الحياة:
1- نعم:90.19%. 2- لا:9،80%.
وحول العلاقة مع الوزارات المعنية بدعم ذوي الطفل:
- اللجوء إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لطلب المساعدة:
1- نعم:25،49%. 2- لا:74،50%.
- الدعم المقدم من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية و العمل:
1- دعم مادي:0%. 2- دعم معنوي:1،96%. 3- لا شيء:98،03%.
- اللجوء إلى وزارة التربية لطلب المساعدة في تأهيل الطفل:
1- نعم:13،72%. 2- لا:86،27%.
- الدعم المقدم من قبل وزارة التربية:
1- التوجيه إلى مراكز مختصة في الوزارة أو خارجها:0%. 2- المساعدة في الدمج:0%. 3- لا شيء:100%.
حملت هذه الأرقام مؤشرات هامة تتمثل في نقص الأخصائيين النفسيين و الأطباء المتخصصين في هذا الاضطراب، كما في نقص أخصائيي النطق، كما صرح الأهل بأن تأهيل الطفل مكلف تتحمل العائلة عبئه غالبا، دون أي دعم مادي أو معنوي من وزارتي الشؤون الاجتماعية، وسط مطالبة الأهل بأن يكون للطفل التوحدي إعانة منتظمة، كونه يحتاج لمرافق مدى الحياة.
وقد تم الإقرار بأن الشخص الأقرب للطفل و الذي يتعلم منه أكثر هو غالبا إما من العائلة أو الجمعية، وأن الطفل يحتاج للحب و الثقة ما ، كما أن الأم تبدي رغبتها في إتباع دورات تدريبية لتحسين أساليب تعاملها مع طفلها و وعيها لهذا الاضطراب وهذا كله يساعد في تأهيل الطفل.
ترافقت هذه المؤشرات مع تقييم إيجابي للأم لأداء طفلها في المهارات المختلفة، كما لتواصله مع الآخرين، ورغم أن ذلك يتعارض مع تعريف التوحد بوصفه يتمثل بصعوبة في التواصل وأداء المهارات بشكل مقارب للأقران، ولكن ذلك أيضا يجب استثماره بشكل ايجابي مع الأخصائيين للوصول بالطفل إلى أقصى قدراته.
هذا البحث حجر صغير نأمل العمل للبناء عليه، والإضافة إليه، وهو ربما يكون محاولة لتلمس وجع قلوب هؤلاء الأمهات اللواتي يبدو جليّا أن لا أحد في الجهات المعنية يتطلع إليهن.
موقع يارا صبري
منشور ايضا بمجلة ثرى






