تناقضات وإشكاليات سببها وجود المادة (548)
يؤسفني أن أقول أن كل ما تغير بالنسبة لما يسمى بجرائم الشرف في هذا البلد منذ عقود، هو أنها باتت أكثر تداولاً، وليست أندر وجوداً. والفضل يعود إلى المتغيرات التي طرأت على عالم الإعلام الذي كشف الغطاء عن هذه الجرائم التي كانت ولا تزال تحدث بفضل تواطئنا. فلا يكاد يمر صباح إلا وتطالعنا الجريدة عن جريمة جديدة، ويتكفل البريد الالكتروني بنقل ما غفلت أو تغافلت عنه الجرائد، حتى أحاديث الأصدقاء والصديقات باتت لا تخلو من قصص تقشعر لها الأبدان عن قتل إحدى النساء أيضاً..
والحجة دائما موجودة وحاضرة أسبابها .. انه ذلك الشرف الذي يضيق ويتسع ليشمل كل الأخطاء التي قد تقع بها المرأة أو من الممكن أن تقع بها، أو حتى إذا تراءى لأحدهم أنها ربما.. ولعل.. ومن المتوقع !!
أيها الشرف: الذي لم تشبعك ولم تروي ظمأك كل الأرواح التي أزهقت، وكل الدماء التي سفكت..
فغريمك هنا شخص تعرفه من زمن بعيد، وتشاركه أفراحك وأحزنك، وحتى طعامك ونومك..
إنها زوجتك وأختك وأحيانا والدتك!!
ملكيتك وخاصتك التي اعتبرت من حاجياتك الخاصة التي تقتنيها قانونا وتتخلص منها أيضا بالقانون..
لك كامل التصرف بها.. ان شئت رفعتها إلى أعلى مرتبة لديك، وان شئت وضعتها في خانة المارقات، أو أي مسمى ترغب بنعتها به يناسب المستوى الذي وصلت إليه ذكوريتك..
تستطيع سفك دمها كما شئت ومتى أردت وليس عليك إلا أن ترتب عدة أمور قبل ان تجهز عليها..
فقط عليك ترتيب وضعية المفاجأة..
ما عليك إلا أن تصاب بالمفاجأة ولو بعد عشر سنوات أو أكثر..
عليك ادعاءه، كما ادعاء الشرف التي لاتمت له طبيعتك وأخلاقك بصلة فيما إذا فكرت باستخدام هذه الطريقة وسوف تنجو من أي محاسبة قانونية أو مجتمعية..
ليست فيلما أو طريقة لاصطياد فريسة.. ولكنها الخطوات التي تتبعها عندما تنفذ نص المادة (548)!!
والتي نصت على:
1 ـ يستفيد من العذر المحل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو ايذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد.
2 ـ يستفيد مرتكب القتل أو الأذى من العذر المخفف إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر".
هذه المادة ليست إلا غطاء قانونيا كافيا لإباحة قتل نسائنا ضمن المجتمع دون ان تتم محاسبة الفاعل على فعلته، ودون اعتبار ما قام به جريمة.. بل هو دفاعا عن مصطلح يستخدمه القاتل ويصنفه تحت بند " الشرف"
كما أن هذه المادة ليست وليدة تراثنا أو دياناتنا وارثنا التاريخي، فالقوانين لدينا تعتمد على الشريعة الإسلامية، ولا يوجد نص لا في القران ولافي السنة الشريفة تبيح قتل امرأة بداعي فعل الزنا، وحتى بعد ثبوت الزنا فالزانية تحبس في بيتها حتى يتوفاها الموت، تجد لها مخرجا آخر كالعفو عنها او زواجها من جديد.. وذلك استنادا لنص القرآن الكريم:
" وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ" حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا" .
بعكس ما يحدث الآن حيث ان المشرع أفسح المجال للذكر ايا كانت قرابته تجاه المرأة بأن يكون مكان القاضي والجلاد فيحكم وينفذ حكمه بالموت على الضحية بدم بارد دون أي وازع أو رادع ديني أم أخلاقي، بل على العكس هو بعد فعلته النكراء ينال المباركات بما فعله وترتفع أسهم العائلة، فقد غسلت عارها، ويصبح القاتل بطلا تتناقل عائلته قصة بطولته المغمسة بالدم لسنوات!!
ومعروف للجميع أن القران الكريم عاقب من يرمي المرأة بتهمة الزنا ولا تثبت عليها بالجلد، عدا عن شهادته تصبح غير مقبولة بتاتا..
" وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ".
فهذا إذا يخالف احد مصادر التشريع في القانون بشكل صريح وواضح، ويخالف أحكام الشريعة الإسلامية والقران الكريم، والدين المسيحي بقول السيد المسيح:
" من كان منكم بلا خطيئة فيرجمها بحجر".
بعودة إلى قانون العقوبات نجد أنه أفرد مادة واضحة تعاقب على زنا الزوجة حتى أنها تشدد هذا الجرم على المرأة اكثر منه على الرجل في المادة (473)..
والتي نصت على :
1 ـ تعاقب المرأة الزانية بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين.
2 ـ ويقضى بالعقوبة نفسها على شريك الزانية إذا كان متزوجاً وإلا فالحبس من شهر إلى سنة.
فوجود هذه المادة تلغي أي سبب مبرر لوجود نص المادة (548) كون عقوبة الفعل موجودة ضمن القانون..
كما أن الدستور نص في المادة الخامسة والعشرون على :
1- الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم.
بينما المادة (548) تناقض الدستور تماما، فهي تلغي حرية المرأة في حياتها وشخصيتها وكرامتها وأمنها عندما حكم عليها بالموت مسبقا بحكم مصدر وجاهز مع وقف التنفيذ، حيث يمكن وضعه قيد التنفيذ في أي لحظة يشعر بها الذكر بأنها ربما ولعلها قد أخطأت..
2- سيادة القانون مبدأ أساسي في المجتمع والدولة.
سيادة القانون مبدأ أساسي إلا عند ورود هذه المادة ضمن سجلات المحاكم الجنائية حيث تقتحم هذه المادة مبدأ فصل السلطات لتعطي من يختبئ بجريمته وراءها بأن يمسك بأدوات هذا الفصل التشريعي والتنفيذي والقضائي ليكون هو من يسن حكم الموت ويأخذ على عاتقه دور القاضي والجلّاد أيضا بتنفيذ حكمه..
3- المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات.
لكن إما ان هذه المادة تناقض الدستور من جديد.. و إما أن المرأة مسبقا مستثناة من مواد الدستور.. أو مستثناة من أنها مواطنة تتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها قرينها الرجل..
فالرجل عندما يقتل يستفيد من عذر محل، بعكس المرأة التي تعتب جريمتها قتلا قصدا أو عمدا!!
المادة الثامنة والعشرون من الدستور نصت على :
1- كل متهم بريء حتى يدان بحكم قضائي مبرم.
ولكن هنا المادة تدين المرأة وتحكم عليها بالموت حتى بمجرد الشك أو الريبة، والذي لا يعتبر دليلا للأخذ به ضمن أي قانون محلي إلا ضمن هذه المادة!!
المادة الرابعة والأربعون من الدستور
1- الأسرة هي خلية المجتمع الأساسية وتحميها الدولة.
أيضا وجود هكذا مادة لا تمنح الأسرة السورية إلا الخراب والتشتت وتفتيت الروابط..
فالمرأة يتم قتلها من قبل زوجها أو أخيها او أبيها لتنتهي حياتها بالموت بدون سبب مبرر، لتصبح مثالا مرعبا لمثيلاتها فيما إذا فكرنّ يوما بأن يتخذنّ قرارا خاصا بهنّ على الصعيد الشخصي..
ويتحول القاتل إلى شخص بريء قانونيا، ومجرم خطير اجتماعيا على كل من حوله، لأنه شخص غير قادر على التفكير بطريقة تمت لإنسانيته بصلة، فقد اعتاد الإجرام بدءا من عائلته ولم يكن المانع الأدبي أو العاطفي بقادر على جعله يفكر ولو للحظات بمدى فظاعة ما يرتكبه بحق نفسه أولا.. وبحق ضحيته وعائلته ثانيا..
المادة مائة والثالثة والخمسون
تبقى التشريعات النافذة والصادرة قبل إعلان هذا الدستور سارية المفعول إلى أن تعدل بما يوافق أحكامه.
ان هذه المادة الأخيرة من الدستور كفيلة بإلغاء أي مادة تخالفه وبالتالي إلغاء أي مادة قانونية لا تتناسب معه بشكل اتوماتيكي، فإذا لا معنى لوجود الـ548 ضمن قانون العقوبات حتى الآن، لأن هذا مخالفة صريحة وواضحة يجب تلافيها..
ويقع على عاتق الهيئات الرسمية من وزارة العدل ومجلس الشعب ممن يمتلكون سلطات في الإلغاء أو التعديل القيام بما يجب، لتتماشى أحكام الدستور مع القوانين الحالية..
في ظل تصديق سورية على الاتفاقيات الدولية من انضمامها لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو)، وكذلك الانضمام والتصديق على اتفاقية حقوق الطفل، نستغرب وجود حجة قانونية تدعم قتل المرأة بدون عقاب يذكر.. وبدون وازع، وبنفس الوقت تدعم وتكرس ذكورية الرجل لنعيده عقليا إلى سلطة وحكم الغاب لتعدم وتثبت غريزة الحيوان لديه، وليس عقل وفكر الإنسان ضمن المجتمع الذي يسعى أبناؤه لتجسيد الحرية والمساواة القائمة أولا وأخيرا على احترام الإنسان.






