إبداعات بلا ضفاف لبلاد أنثوية!
• بقلم :ريم الخوري
سورية بلاد أنثوية بامتياز!
• رغم أن عددهن لم يتجاوز الخمس، فإن الأديبات الرائدات تركن بصمتهن
الخاصة على القرن العشرين في سورية.
• بدءاً من الستينات، وبفضل عوامل سياسية واجتماعية انتقلت الكتابة من
الطبقة الارستقراطية إلى الطبقة المتوسطة والفقيرة.
• بعض روايات التسعينات هي أقرب ما تكون إلى شهادات توثيقية حيّة، طافحة
بالتأمل والصراخ الصامت.
• الشعر شأن (رجالي) وَمنْ تجرؤ وتخوض به فعليها الخضوع لشروطه ومسلّماته.
• غرست شاعرات التسعينات نبتاً جديداً في أرض الشعر، ورعينه بأشكال لم
تكن مطروقة من قبل.
• العديد من رائدات التشكيل السوري ما زلن يعملن إلى جانب تشكيليات الجيل الجديد.
• دفعت الممثلات السوريات الأوائل الكثير من حياتهن الشخصية ثمناً لتأسيس
الدراما السورية التي نتابعها اليوم.
• خرجت المرأة عبر الدراما لتعبّر وتقول ما لديها.
بدءاً من نساء الحضارات القديمة، مروراً بالجدّات المكافحات
اللواتي طرّزن ثياب أعراسهنّ وأحلامهن بأيام أفضل، وانتهاءً باللواتي
أبدعنَّ في حياتهن شعراً وقصة ولوحة أو حتى عملاً سياسياً... تبدو سورية
محوطة بأنوثة من نوع ما، أنوثة طاغية أحياناً، محتجبة بالأسرار والتفاصيل
الغامضة أحياناً أخرى.
لذلك يبدو لهذه البلاد، وعبر تاريخها الموغل في القِدم، خصوصية من
نوع ما، خصوصية لا يشبهها شيء أو أحد، خصوصية تفسّر التوازن الثقافي
والاجتماعي و(السياسي) الظاهر بصفة أساسية عند ذكر اسم (سورية): إنها
بلاد أنثوية بامتياز.
والأنثوية هنا لا تنبع من التعداد السكاني، ولا من نسبة النساء
للرجال في المجتمع السوري، ولا حتى من فعالية المرأة على الصعد المختلفة،
وإنما من تاريخ يشهد لها بحضورٍ طاغ تركته في زوايا لا تعد ولا تحصى من
شمال البلاد إلى جنوبها، ومن أقدم عصورها حتى سنوات الألفية الثانية،
فالعاصمة دمشق(المؤنثة) هي أقدم مدينة في التاريخ، والممالك العتيقة التي
أهدت واحدة منها حروف الأبجدية الأولى (أوغاريت) للعالم، وحضارات زنوبيا
وماري ورأس شمرا وغيرها، قدّمت للحفيدات الجميلات إرثاً حضارياً وثقافياً
وفنياً ومعمارياً كان ركيزة لإبداعاتهن المختلفة ومنهلاً لا ينضب من
الحساسية والأفكار والجمال.
لكن مصطلح (نسوية) أو(خطاب نسوي في الإبداع) أو(إبداع نسوي) يبدو
مصطلحاً إشكالياً جداً عُقدت له الندوات،وأقيمت المؤتمرات، وشُكّلت
اللجان والجمعيات وغيرها من فعاليات ثقافية واجتماعية وإنسانية، تصب كلها
في نفي الاتهام عن هذا المصطلح الجديد باعتباره شأناً نسائياً خالصاً،
وتحويله إلى شأن عام يتعلق بكل ما للمرأة من مواقع في الحياة وتأثيرات لا
تحصى بطبيعة الحال. عن هذا تقول الدكتورة ماجدة حمود في مقدمة كتابها
(أدب المرأة بعيداً عن الاحتفالية): "صحيح أن الأدب النسوي يتمحور حول
العلاقة مع الرجل في أغلب الأحيان، فقد بدا هاجس الهم الإبداعي النسوي،
إبراز خصوصية هذه العلاقة، ولكن هموم المجتمع والأمة كانت كذلك جزءا من
همِّ المرأة".
بشكل موثّق، بدأت النساء السوريات يتخذن مواقع لهن في الإبداع
الفني والثقافي والفكري منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن
العشرين، إبان نهاية الحكم العثماني لبلاد الشام، ففي الوقت الذي كانت
جداتنا وقتئذ يرزحن تحت نير الجوع والقهر وتحرقهن شمس الحقول وآلام
(السفر برلك) في المجتمعات الريفية، كانت نساء المجتمعات المدينية (حلب
ودمشق العاصمة على وجه الخصوص) يناضلن للحصول على مواقع متقدمة في
مجتمعات بدأت تتفتح رويداً رويداً على التجارب الغربية التي تصل إليهن عن
طريق الترجمة أو المغتربين أو حركة النشر الوليدة والناشطة في ذلك الوقت
لصحف ودور نشر وكتب، إضافة إلى المنتديات الثقافية التي تُعنى بأدب
المرأة وإبداعها، وكانت السيدة ماري عجمي رائدة في إصدار أول مجلة نسائية
تعدها وتحررها وتديرها بنفسها هي مجلة (العروس) عام 1910، وكانت لها
الريادة أيضاً في تأسيس أول جمعية أدبية نسائية في سورية، تلتها نازك
العابد التي أسست النادي الأدبي النسائي عام 1930 , و أنشأت مجلة "نور
الفيحاء " النسائية التي اهتمت بالمرأة المبدعة. أما "مريانا مراش "
فكانت أول امرأة سورية تكتب في الصحف، وكان أول نتاج أدبي لها مجلة "
الجنان " إضافة إلى نشرها عدداً من القصائد.
وعلى الرغم من أن أولئك الرائدات (إضافة لوداد سكاكيني وعادلة بيهم
الجزائري) "اللواتي تركن بصماتهن على القرن العشرين في سوريا" ولم يتجاوز
عددهن الخمس إلا أن أثرهن كان بالغاً فيما سيأتي على حركة الكتابة
الإبداعية النسوية فبفضلهنَّ ستظهر تجارب غنية في القصة والرواية والفن
التشكيلي والمسرح الذي كان حينها من المحرمات في المجتمع السوري الذي
اعتبر التمثيل عملاً غير لائق أصلاً، فكيف إذا امتهنته امرأة.
صراخ صامت
معظم الكاتبات السوريات بدأن حياتهن الأدبية بكتابة القصة القصيرة،
كان ذلك في خمسينات القرن العشرين، وهو وقت متأخر نسبياً عن نظيراتهن في
الغرب، وإن كنَّ اطلعن على تجاربهن الفنية عن طريق الترجمة. فقد أصدرت
منوّر فوال مجموعتها القصصية الأولى (كبرياء وغرام 1951) تلتها سلمى
الحفار الكزبري بمجموعتها (حرمان 1951)، ثم وداد سكاكيني التي تعتبر
رائدة القاصات السوريات، وقد أصدرت عدداً من المؤلفات كان أولها مجموعتها
القصصية "مرايا الناس1954" و"بين النيل والنخيل" و"الستار المرفوع"، ولها
كتب أخرى في النقد، والسيرة، والحديث عن شؤون المرأة. في الوقت ذاته ظهرت
الكاتبة ألفت الإدلبي التي ترتبط بدمشق وياسمينها وحكاياتها وبيوتها
المليئة بالأسرار والمحرمات، عبر مجموعتها "قصص شامية 1954" التي نشرت
بعدها أربع مجموعات قصصية أخرى. وبسبب عديد من العوامل السياسية بداية،
والاجتماعية فيما بعد ستنتقل الكتابة من الطبقة الارستقراطية إلى الطبقة
المتوسطة والفقيرة كذلك، وربما كان للثورات في العالم وحركات التحرر
والتغيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي انطلقت في الستينات
وامتدت لأوائل التسعينات الأثر الأكبر في ظهور جيل جديد من الكاتبات بدأن
يتخذن منهجاً جديداً في القص مضموناً وشكلاً.
ولأن البعض يرى في القصة مدخلاً للرواية وليست فناً منفصلاً، سنجد
أن معظم اللواتي كتبن القصة اتجهن فيما بعد للرواية، ولذلك صرن رائدات في
المجالين حتى انفصال النوعين الفنيين لاحقاً وظهور كاتبات أكثر اختصاصاً
مع بداية الثمانينات. أما موضوعات الروايات فلم تكن تبتعد كثيراً عما
كُتب في القصص بعامة، فقد كانت مهمومة بالنضال ضد المستعمر الفرنسي،
ولاحقاً "استنهاض الهمم والبطولات" لبناء مجتمع حديث الاستقلال، وطبعاً
موضوعة الحب، ومعاناة المرأة في مجتمع ذكوري متقلّب سوف تلقي التغيرات
السياسية والانقلابات والتيارات الإيديولوجية بظلالها الثقيلة عليه. في
هذا الإطار صدرت أولى الروايات السورية لوداد سكاكيني " أروى بنت الخطوب
ـ 1950 " و" الحب المحرّم ـ 1952 ", تبعتها بعد عقد تقريباً الأديبة
كوليت خوري في "أيام معه 1959" ويتتالى ظهور روائيات أخريات كليلى
اليافي، وجورجيت حنوش، وإنعام مسالمة وأميرة الحسيني، وكان يجمع بين هذه
الأعمال كلها تقريباً موضوع واحد هو العلاقة الأزلية بين الرجل والمرأة
مع كل ما يرتبط بهذه العلاقة من إشكالات ومشاعر وتفاصيل.
في السبعينات والثمانينات برزت مرحلة جديدة في الإبداع النسوي تأثرت
كثيراً بالتطورات السياسية المتغيرة في سوريا ومحيطها العربي من ناحية،
وبنشاط الترجمة الواسع جداً للأدب الروسي الذي تأثر به عدد كبير من
المبدعين السوريين من ناحية أخرى، واختطت الرواية منحى جديداً تميّز
بالتجريب على كافة المستويات: لغوياً وفكرياً، واتخذت كاتبات جديدات من
تجاربهن الشخصية موضوعاً لرواياتهن: بدءاً بتجربة الاعتقال السياسي،
مروراً بتأثيرات إثنية ودينية ورمزية تركتها عليهن مجتمعاتهن كالتقمص
والعبادات الخاصة وغيرها. كان ذلك ممهداً بشكل ما لمجيء عقد التسعينيات
"عقد الثورة القصصية النسائية بامتياز"، وحتى بدايات الألفية الجديدة
سيبرز في سورية أدب السجون، والسيرة الذاتية، والروايات الموغلة في
مواضيع لم يتم التطرّق لها من قبل. فعلى سبيل المثال سنجد مجموعة غير
قليلة من كاتبات اتخذن من سجنهن السياسي أو سجن أحد أقاربهن موضوعاً
لرواياتهن التي عبرّن من خلالها ليس فقط عن الحزن والغضب وانهيار الأحلام
والأيام، وإنما كان بعض من تلك الروايات أقرب ما يكون إلى شهادات توثيقية
حيّة، طافحة بالتأمل والصراخ الصامت.
أرض مفتوحة
أمّا في الأرض المحرّمة على المرأة منذ الأزل (الشعر) فقد كان لا
بدّ للنساء اللواتي دخلنها من الخضوع للشروط الذكورية. فالشعر شأن
(رجالي) ومن تجرؤ وتخوض به فعليها الخضوع لشروطه ومسلّماته، وإنْ جَرُؤت
وفكرت بالتحليق داخل عالمه فستُقابل بالمقصات التي تهيض أجنحتها. هكذا
كان حال سيدة الشعر العربي الحديث "نازك الملائكة" التي، وعلى الرغم مما
حاولته في أرض الشعر لفرض خصوصيتها، خضعت أخيراً لشروط (ذكورية) مسلّم
بها على تلك الأرض. فيما بعد ستظهر سنية صالح (زوجة الشاعر محمد الماغوط)
الرائدة في قصيدة النثر السورية منذ الستينات، وستكون حياتها أقصر من أن
تعطي كل ما لديها من إمكانيات، ورغم ذلك كانت لها تجربتها الفريدة التي
سجّلتها كأول امرأة تكتب القصيدة الحرة في سورية، سنية صالح التي كانت
(منفية في أرضها) كما عنونت إحدى قصائدها، هي الشاعرة التي "ظلمها النقد
وتجاهلها، متابعاً مسيرته التي تعتمد وتعترف بمن تجد لنتاجه مرجعيات
وأصولاً مكرسة، سواء أكانت مخترعة أم متخيلة، مستوردة أم مصابة باستلاب
ذاتي" على حدِّ تعبير ممدوح عدوان في مقالته (سنية صالح تؤنب العالم).
ستكمل الشاعرات السوريات متابعة الدرب في السبعينات والثمانينات
بتجارب مختلفة وأصوات جديدة كالشاعرة عائشة أرناؤوط، ودعد حداد، وسيكون
لتجاربهن خصوصية لغوية وفكرية ستنقل الشعر السوري إلى أراض جديدة ستكوَّن
التربة الخصبة لظهور جيل شاعرات التسعينات والألفية الجديدة التي شهدت
بروز أسماء مميزة تحتمل كل أطياف التجريب لغوياً وفكرياً وأدائياً، صارت
أرض الشعر مفتوحة أمام الشاعرات، اللواتي بدورهن غرسن فيها نبتاً جديداً،
ورعينه بأشكال لم تكن مطروقة من قبل، وظهرت أسماء وتجارب الشاعراتَ هالة
محمد، ولينا الطيبي، وتهامة الجندي، وندى منزلجي، وسميرة عزام، ، وهنادي
زرقة... وأخريات.
لون امرأة
لم يقتصر هذا التغيّرُ على موضوعاتِ الفن القصصي أو الروائي فحسب،
وإنما لوّن أيضاً أنواعاً إبداعية أخرى كالمسرح والفن التشكيلي والموسيقى
والدراما التلفزيونية والسينمائية. فعلى صعيد التشكيل سنرى لوحات لفنانات
جدد تتخذ من البحث عن الحرية، الفقر في العالم، عذابات الإنسانية عامة،
ومرة أخرى التجارب الشخصية، تيمة أساسية للوحاتهن، أما على صعيد الشكل
فثمة ـ في بعض أعمال التشكيليات ـ اتكاءٌ كليّ على المدارس الغربية
والتيارات الأكثر حداثة في الألوان والخامات، أو طرق تقديم اللوحات في
صالات العرض. ولعل اسماً مثل سارة شمّا في الرسم أو سماح عدوان في النحت
أو هالة الفيصل في فن البورتريه ـ على الرغم من خصوصية كل تجربة على حدة
ـ سيعيدنا إلى جيل المؤسِسات اللواتي ما زلن يعملن حتى اليوم، ومنهن مَنْ
درسن وتخرجّن من كلية الفنون الجميلة بدمشق التي افتتحت عام 1960، كليلى
نصير وأسماء فيومي وهند زلفة، اللواتي كنّ بدورهنّ جزءاً من حركة نسوية
تشكيلية بدأتها الفنانة "خالصة هلال" الخريجة الأولى من كلية الفنون
الجميلة التي أقامت معرضها الأول 1959وافتتحه جمال عبد الناصر. سيترافق
مع هذه الرائدة حضور التشكيلية "إقبال ناجي قارصلي" التي كانت أول رسامة
تسجل مشاركتها في تاريخ المعارض الجماعية منذ العام1954. وتذكر بعض
المصادر أن عدداً من الفنانات التشكيليات الرائدات في سورية درسن الفن في
القاهرة مثل "زهيرة الرز"، وبعضهن درس الفن على يد فنانين مشهورين كـ
"لؤي كيالي" الذي تتلمذت مي الشطي على يديه، وبعضهن جئن من اختصاصات أخرى
كالفلسفة أو العمارة وذُكرن في تاريخ التشكيل السوري مثل الفنانتين لميس
ضاشوالي وإنصاف الشوا.
وفي إحدى تحقيقاتها عن التشكيل النسوي السوري تقول الزميلة تهامة
الجندي: "تؤكد المعطيات أن فترة الخمسينيات شهدت ظهور أولى المصورات,
وكانت الستينيات هي الفترة التي شهدت بروز اثنتي عشرة فنانة في اختصاصات
عدة, أغلبهن من التشكيليات الأكاديميات, خريجات كلية الفنون الجميلة في
القاهرة أو دمشق, وعلى الأرجح كان هناك أخريات ظهرن قبل ذلك التاريخ, ولم
تحتفظ بأسمائهن ذاكرة الفن, إما بسبب تجاهل النقاد لهن, أو بسبب ظروف
قاهرة منعتهن من عرض نتاجهن, فليس من المنطق أن تمر فترة الأربعينيات
الموسومة بحراكها السياسي والاجتماعي والثقافي من دون أن تسجّل أيا من
المحاولات التشكيلية النسوية"
دراما الحياة!
لا تنسى ذاكرة المشاهدين العرب الصرخة الشهيرة التي أطلقتها
الفنانة منى واصف: (أسعاااااد) في المسلسل القديم (أسعد الوراق)، كذلك لن
يمر (حمام الهنا) أو (مقالب غوار) دون تذكّر شخصية "فطوم حيص بيص" التي
لعبتها القديرة نجاح حفيظ. اليوم ربما لم يتعرف الجيل الجديد ممن هم في
السابعة عشرة أو العشرين من العمر بشكل جيد على هذه الشخصيات التي دفعت
من أرواحها وحياتها الكثير لتظهر الدراما السورية على الشكل الذي يتابعه
الناس عبر الفضاء في أنحاء الأرض. لم تكن هاتان الفنانتان وحيدتين على
الساحة الفنية في الستينات والسبعينات بطبيعة الحال، فهناك أسماء رائدات
ما زلن يتابعن مسيرتهن الإبداعية حتى اليوم كالفنانات القديرات ثراء
وثناء دبسي، انطوانيت نجيب، أميمة الطاهر، فايزة الشاويش، أو الأخريات
الراحلات كآرليت عنجوري، ملك سكر، هالة شوكت، لينا باتع، اللواتي ـ
بمعظمهنَّ ـ جئن من الفن المسرحي إلى التلفزيون الأبيض والأسود حديث
العهد، حيث سبقتهن إلى الخشبات المرتجلة والنوادي المسرحية التي تحمس
مؤسسوها لتقديم فنون وأفكار لأعمال ابتكروها أو ألفوها بأنفسهم وسط مجتمع
ينظر بتحفظ شديد أو رفض قاطع لفن التمثيل. وبالعودة لما قبل الخمسينات
تشير كتب المسرح السوري إلى أولى التجارب المسرحية النسوية التي قامت بها
ناديا العريس (وهي من أصول لبنانية) حين أسست فرقة مسرحية في دمشق عام
1939 و حرصت من خلالها على "اقتفاء أصول مسرح القباني، وتقديم عروض راقية
خلافاً للفرق التجارية التي كانت سائدة في تلك الفترة" وضمت هذه الفرقة
الأختين ميليا ومارغريت شمعون. ثم سنجد عدداً آخر من النساء اللواتي عملن
في فرق مسرحية مختلفة، ولكننا لن نعثر على توصيف للأعمال التي قُدمت أو
موضوعاتها أو قيمها الفنية، غير أن الخطوة بحد ذاتها، وهي دخولهن تجربة
التمثيل على الخشبة، تحسب للرائدات اللواتي ناضلن بكل ما في الكلمة من
معنى، وكنَّ ـ على نحو ما ـ كبش فداء لسلسة الحفيدات التاليات اللواتي
بدأن يعملن في المسرح بحضور أقوى. واليوم تبرز على الساحة العربية أسماء
ممثلات سوريات لامعات في المسرح والشاشة الصغيرة والفضية أكدّن حضوراً
واثقاً ومميزاً في مختلف الأدوار التمثيلية. أما على مستوى الكتابة
الدرامية فقد قدّمت رويدا الجراح في الثمانيات عدداً من الأعمال الدرامية
المميزة التي فتحت الطريق أمام كاتبات جديدات في التسعينات وبدايات
الألفية ولمع حضورهن سورياً وعربياً من خلال مسلسلات تلفزيونية مميزة
تكاد لا تخلو شاشة فضائية من إحدى أعمالهن، حتى أنه صار لبعض منهن منهجاً
درامياً يركز على خصوصية المرأة وهمومها التي تتلاقى مع الهمّ العام
لمجتمعات متسارعة التطور والتغيّر كالكاتبة ريم حنا في الفصول الأربعة،
وأحلام مؤجلة، ورسائل الحب والحرب مؤخراً، وأمل حنا في مذكّرات عائلة،
ودلع الرحبي في عصي الدمع، ويم مشهدي، ورانيا بيطار وغيرهن. إن تميّز
الكتابة الدرامية السورية اليوم والتي تعدّ الحامل الرئيس لنجاح الأعمال
السورية محلياً وعربياً، يعود لصانعاتها من النساء تحديداً، فالأعمال
التي تلتصق بأذهان الناس تقف خلفها نسوة بارعات، ليس في الكتابة وحدها بل
في مجمل العمل الدرامي خلف الشاشة وأمامها.
تقول دلع الرحبي في ندوة عن الدراما وقضايا المرأة العربية بُثت
على قناة الجزيرة الفضائية: " الدراما التي تكتبها المرأة بشكل عام أو
الموضوعات التي تتناولها من حيث اهتمامها بالمرأة هي نتيجة طبيعية لتطور
المجتمعات العربية، الدراما بشكل عام هي تعبير أو نفترض أن تكون تعبيراً
عن الواقع المعاش أيا كان، واقع معاصر أم واقع تاريخي. إن الدراما الآن
هي تعبير عما يحدث في المجتمعات العربية من حيث تطور وضع المرأة، وجودها،
ونزولها إلى الحياة".
وأخيراً...
فإن من الحق القول: "إن ما نبحث عنه في الكتابة هو تأنيث العالم، إن قام
بذلك الرجل أو قامت به المرأة، فالعالم بحاجة إلى تأنيث، والنسوية قضية
ثقافية وليست بيولوجية
خاص موقع يارا صبري
منشور سابقا بمجلة تايكي






