لطالما كانت تشعر بأن الحفاظ على بيئة العالم ونظافته مسؤوليتها الشخصية والمباشرة.

 ولطالما كنّا ـ نحن أولادها الخمسة ـ ندخل في مشاجرات لا تنتهي حول سلوكها اليومي في تنظيف الدار والفسحة أمامها وحتى ما بعد حدود بيت الجيران.

  فبداية، تنهض أمي مع شمس الريف المتثائبة، وفي مرات كثيرة تسبقها حتى تنهي كل أعمالها اليومية قبل (أن تحمى الشمس) أو كي لا تسبقها إحدى الجارات في إتمام أعمال التنظيف المتوالي الذي لا يعرف عطلة أبداً. ما زلت أذكر مشاحناتي الكثيرة معها حول عدد أكياس القمامة التي يجب التخلّص منها يومياً، وفي كل مرة بعد أن غادرتُ منزلها وصار لي بيتي ومملكتي الخاصة ـ كما يُقال ـ أشعر بنظراتها خلف ظهري وهي تلومني لأنني أجمع كل (زبالة البيت) معاً!! لماذا؟؟ لأن أمي كانت (تنسّق) القمامة المنزلية على نحو يشبه عمل مصنع صغير للتدوير: فهناك كيس للأوعية البلاستكية والزجاج، سنبيعه أو نعطيه لـ "بيّاع العتيق"، ثم بقايا الخضراوات والخبز التي يتوجب عليّ حملها يومياً إلى بيت جارتنا أم محمود لتضعها بدورها لحيواناتها المنزلية ودجاجاتها الشقيّات، وثالثاً هناك الأوراق والمناديل المستعملة وعلب الكرتون الممزقة التي توضع في (تنكة سمنة تانيا الكبيرة) المزوّدة بقطعة خشبية سميكة على حافّتها تحوّلت للون الأسود الفاحم من الاستخدام الأزلي، ومن حرق فضلات الورق فيها عبر ثلاثين عاماً، وأخيراً هناك (السطل البلاستيكي) العجيب الذي كان يمتلئ ببقايا الشاي والمتة والقهوة وغيرها من السوائل، وهذا السطل تحديداً كان من مهمة أمي أن تدفن محتوياته في حديقة منزلنا باعتباره سماداً طبيعياً، وللأمانة، فإن كلّ من زار بيتنا كان ينبهر بجمال حديقة أمي واخضرار نباتاتها ويناعتها، وكان بعضهم يعزو ذلك لمهارة أختي المهندسة الزراعية التي كانت بدورها ـ وللأمانة أيضاً  ـ تؤكد أن لا علاقة لها بحديقة أمي وتشرح كيف تحافظ أمي على البيئة من جهة، وتستفيد من أتفه الأشياء وأقلّها قيمة لتنمّي مزروعاتها وتجمّل حديقتها وأحواض نباتاتها من جهة أخرى.

      بعد الانتهاء من كل ذلك، وفي الزمان الذي لم تكن تقنيات وصول الماء إلى المنازل قد صار أمراً اعتيادياً، كانت أمي وجاراتها يذهبن إلى الساقية الرومانية التي تخترق البيوت الطينية البيضاء، أو تحاذيها، وتبدأ النسوة من أول الحارة بسكب الماء على العتبات الحجرية والجنائن المحيطة بها ويتوالى دور (الشطف) من جارة لأخرى، وعبر عشرة أو خمسة عشر بيتاً تسيل المياه على أرض الشارع الترابية وتنظفه من بقايا ليالي السمر في الصيف، وغبار الرياح والأوراق اليابسة في الشتاء. ورغم أن الشوارع لم تكن معبّدة بالإسفلت كحالها اليوم، إلا أن لنظافة أرض الحارة، ولرائحة الطين التي كانت تنبعث منها عبقاً خاصاً ما يزال في ذاكرتي، ويقفز إلى حاسة شمّي كلما مررت في حي قديم (وخاصة في أحياء الشام العتيقة) ورأيت سيدة هرمة تدلق الماء أمام باب بيتها وتنظفه وكأنه جزء من غرفة المعيشة!!!.

      لِمَ كانت أمي وجاراتها يقمّن بهذه الأعمال الشاقّة يومياً، مضافاً إليها كمية لا يستهان بها من مهمات جِسام  كالخَبز على التنور والغسيل وخياطة الملابس،وتربية الأولاد وتدريسهم وغيرها وغيرها؟؟!! لِمَ كنََّ يشعرن بأن من العيب أو العار ألا تنظِّف المرأة المنطقة المحيطة ببيتها كما تنظّف داخله تماماً ؟! ولِمَ، وهو الأهم، كان المقياس الأكبر لحارة أو طريق أو بيت هو نظافته وترتيبه وجمال حديقته وأدب أولاده؟!.

       حين أزور أمي اليوم، وأراها بشموعها الخمس والسبعين وهي تتحامل على وجع ساقيها وتنظف البيت بالطريقة ذاتها، وبالأكياس العديدة التي كانت تفصل فيها قمامة البيت، أخجل من نفسي ومن طريقتي العصرية في التخلّص من قمامة بيتي، وأتجادل معها حول تعليقاتها بأنها لا تحب (الشام) لأنها (صارت وسخة كتير) والناس لا يهتمون بنظافة أحيائهم، وما يهمّهم هو ترتيب بيوتهم من الداخل وتنظيفها ولتذهب مداخل بناياتهم وحتى مناورها الخلفية إلى الجحيم!!. أقول لها يا أمي الحياة تغيّرت، ازداد عدد الناس وتغيّرت طبائعهم وخلفياتهم الاجتماعية، وغيرها من تفاصيل لا تنتهي حول الإهمال الشخصي والرسمي لأحياء برمّتها في العاصمة وضواحيها بحجج عديدة، فتصرّ أمي: (طيب، يا ماما، في حاويات كتير في الشوارع، ليش دايماً بشوف أكوام الزبالة حواليها؟ شو بتفرق مع الناس يقربوا خطوتين حتى يرموا زبالتهن في الحاوية؟ بعدين بتتذكري لما تخانقت مع ابن جيرانكن وقت شفتو من البلكون عم يرمي الزبالة من شباك بيتهن عالشارع، وإنتي زعلتي مني لأني صرخت فيه؟؟!!).....

     غالباً، ما يدور بيننا هذا الحديث، أمي بإصرارها على أن من العيب والعار وقلة الأدب أن يتعامل الناس مع نظافة الشوارع والأحياء بهذه اللامبالاة القاسية والفجّة، وأنا على تبريراتي التي لا تنتهي لها، هذه التبريرات التي أشعر في مرات كثيرة بأنني أنا نفسي ـ غير مقتنعة بها تماماً.

      لم تكن في الماضي ثمة دعوات لحماية البيئة، لم يكن هناك فكرة أصلاً للحديث عن عاصمة تنوء بقمامتها، لم يكن في الماضي القريب جداً هذا الهاجس المؤرق الذي ينتاب الناس والحكومة والمؤسسات الأهلية للقيام بنشاطات لا تحصى من أجل النظافة وتوفير أدنى حدودها والترتيب لبيئات العيش، وكأننا كلما تقدّمت بنا الحياة مع ما فيها من وسائل وخزائن محشورة بمواد التنظيف على أنواعها وتعدد استخدامها، بتنا أكثر إهمالاً للبيئة العامة والأحياء التي نعيش فيها وحتى للأبنية الطابقية التي نسمع عن خلافات سكانها حول نظافتها قصصاً لا تنتهي.

      هل يحتاج الأمر إلى حملات أهلية للنظافة؟ أعتقد أن أفضل ما يمكن أن نأمله اليوم هو عودة الشعور الجمعي بالانتماء للمكان وأهمية الحفاظ عليه وعلى نظافته، هذا الشعور الذي كان سائداً قبل ربع قرن فقط حين كان الناس يشعرون بملكيتهم للشارع والحي والحديقة والأرصفة، وينتابهم حس بالمسؤولية يدفعهم للحفاظ عليها كما يحافظون على ملكيات شخصية.

      أتذكّر أنني سألت أمي ذات مرة: ما الذي يدفعك للاهتمام إلى هذا الحد بأن تكون حتى (زبالة ) البيت مرتّبة ومنظمّة؟ ولماذا تصرّين على التنظيف أمام باب البيت وحوله بكل ضمير؟؟!! أجابتني: "شو هالسؤال؟!!! يعني إنتي بتقبلي يا ماما حدا يحكي علينا ويقول شارعن وسخ متل بيتهن"؟؟

خاص موقع يارا صبري