|
الحكواتي في حارات ومقاهي الشام |
|
لن تكتشف معنى الحكواتي في الشام إلا إذا مررت بحواريها وتنسمت رائحة ذالك العبق المنبثق عن مقاهي تجاوز عمرها المئات، ورأيت طوابير
الملتمين حوله بفضول لم ينضب منذ عقود طويلة، حينما لم يكن غيره مصدرا للتسلية لكنه بقي صامدا إلى الآن في القرن الواحد والعشرين في زمن باتت التسالي والترفيهات لا تعد ولا تحصى، ربما غلب ذلك الشيخ بنظارته السميكة الدائرية وطربوشه القرميدي وتجاعيد وجهه وكتابه الضخم وكرسيه الصغير عوالما من الفضائيات والملاهي فانتصرت حكاياته لجلب مئات من مختلف الأعمار لتسمع ما يرويه من قصص البطولة والحب والانتصار

انه حكواتي دمشق في رمضان والتي لا يخلو مسلسلا شاميا من الإشارة إليه أو الحديث عنه فبات جزءا من تاريخ الشام ودمشق تحديدا.
وفي رمضان أول ما يبحث عنه أهل الشام المكان الذي سيجلس به الحكواتي والذي لم يعد واحدا بل مجموعة كبيرة من الحكواتية منهم من تعلم ذلك الفن ومنهم من ورثه لينتشروا في مقاهي وكفتريات الشام (النوفرة)، (الهافانا)، (الروضة)، (حارتنا)....الخ ليصبح معلما من معالم الشام في رمضان لن يمر الزائر أو السائح دون التعرف إليه.
ففي النوفرة وهو من مقاهي الشام القديمة المقهى الصغير المجاور للجامع الأموي والذي اشتهر بأراكيله وكؤوس الشاي والزهورات وقهوته ونافورته التاريخية وألوانه القرميدية التي تلتف بالمكان فتسحره كأنه من عالم ألف ليلة وليلة هنالك لن ينسى زائره ذالك الحكواتي الجالس منذ عقود طويلة ليتجمع حوله العرب وحتى الأجانب الذين ربما لا يفهمون ما يقول لكنهم يستمتعون بالأصوات المشجعة وصوت الحكواتي ذو الشجن الجميل وعصاه التي يحركها فتتحرك معه قلوب من المصغين إليه.
يقول (مهيب) وهو من الرواد الدائمين للمقهى وخصوصا في رمضان: ما أن يقترب موعد السحور حتى نتجمع مع بعضنا أنا وأصدقائي لنتجه صوب
النوفرة لنحتل أماكننا بانتظار (أبو شادي) حكواتي النوفرة في رمضان لنبقى حتى الآذان نختم اليوم بقصص لا نمل منها لأنها تعيدنا إلى زمن الأساطير والحكايات.
أما السيد (منير وظفة) وهو مدرس تاريخ فيحدثنا عن الحكواتي في النوفرة فيقول:
لقد كان الحكواتي منذ القديم يروى في مقهى النوفرة قصصا اجتماعية أو سياسية ناقدة مرافقة لتحريك الدمى بعد ذلك أصبحت تتلى الحكايات ولكن دون كتاب وذلك بالاعتماد على جعبة الذاكرة التى يتمتع بها الحكواتى أو القاص مترافقة بأساليب التعبير سواء بنبرة الصوت أو حركة اليدين أو تعابير الوجه فالقاص فنان يجيد الإلقاء والحركات التعبيرية يتأثر بالكلمة والحادثة التى يقرؤها فيعيشها ويعبر عنها من خلال إعادة الحكايات الشعبية مثل سيرة ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، والهلالية وعنترة بن شداد وسيف بن ذى يزن والظاهر بيبرس وغيرها.. ففي ساعة محددة تمتلىء مقاعد مقهى النوفرة ويستعد المستمعون للإصغاء وعيونهم مشدودة إلى كرسي وضع منتصف المقهى بمكان مرتفع يرى فيه الحكواتى الجميع فيسحب نجم العرض مخطوطته من تحت وسادة المقعد ويبدأ بسرد القصة وعند تصعيد الأحداث يشهر الحكواتى سيفه لتمثيل دور المحارب في المعركة الدائرة في الحكاية ليبهر الحضور فيهتفوا عاش البطل ثم ينقلك إلى دنيا الزير سالم وعنترة بن شداد الاسطورى حين يضرب بسيفه أربعين رأسا إلى اليمين ومثلها إلى اليسار كما كانت الدنيا تقوم ولا تقعد إذا أنهى الحكواتى كلامه وعنترة في السجن فكانوا يطالبونه بتحريره وفك أسره كما كانت تقع خلافات بين الحضور فمنهم من كان مؤيدا للزير سالم وآخر مؤيدا ل جساس.
وفي مقهى آخر يجلس في مكانه الدائم(أبو فياض) الحكواتي أباً عن جد ليتجمع الصغار والكبار بانتظار حكاياته وعندما يبدأ يسود الصمت المكان وتتشبق الأعين نحو أبو فياض ليراقبون حركاته ويسمعون كلماته التي تفرحهم تارة وتغضبهم تارة أخرى وهذا ما يتحدث عنه (أبو سهيل) وهو رجل ستيني لا يبارح المكان طيلة العام لكن في رمضان يجد نكهة خاصة تضفيها حكايات القاص الذي يغير من أسلوب ونمط الأيام في السنة ليأتي في شهر رمضان فيحيي الذاكرة وينعشها ليتذكروا من مرّ من هنا.
ويقول (فراس ضو) وهو كاتب قصص قصيرة : يشكل الحكواتي أو قارىء القصص الشعبية ومؤديها أمام جمهور المقاهي معلماً من معالم دمشق القديمة ووسيلة ديمومة للثقافة الشعبية التي تتحدى العصرنة بقوة تلك الثقافة التي يعشقها سكان المدينة كباراً وشباباً ومحبو التاريخ والعراقة والأصالة إضافة إلى السياح.
ويرتبط وجود الحكواتى ويزدهر بوجود مقاهي الرصيف التى تزين دمشق القديمة والتي سبقت بها عواصم العالم العربي وزادت عليه بعطرها الذي تفوح منه رائحة القهوة التركية والنرجيلة والتي تستخدم فيها كراسي القش المريحة والدافئة.
وإذا تساءلنا عن سبب أهمية ومكانة الحكواتي في الذاكرة والحاضر وعن سبب تمتع تلك القصص والحكايا بشعبيتها حتى اليوم فأصبح للقاص مهرجانه الخاص في أكثر من دولة.نعرف ذلك الجواب من وصف القاص الروسي أشهر كتاب أدب الأطفال (ألكسندر بوبنوف) الذي شارك في المهرجان الدولي الخامس الخاص للحكايات في دمشق للحكواتية بالدراما تورجين الذين يجيدون السرد بحنكة الفنان المحترف صاحب المخيلة الخصبة والأداء البليغ كخطيب يتقن أسلوب التشويق وإثارة الحماس والتعاطف مع أبطال قصصه وإطلاق الحكمة والعبرة وقد يتحول إلى مصلح اجتماعي من نوع آخر.
ويجمع العديد من النقاد مثل (سحبان السواح) في كتابه الأسطورة والحكاية على أنه لا يوجد بديل للطريقة التقليدية لرواية القصة أي السرد المباشر أمام الجمهور وهو ما يقوم به الحكواتي أمام الناس بشكل يستطيعون فيه لمسه وتبادل الحديث معه.
إنها دمشق والتي وصفت كأقدم عاصمة مأهولة في العالم لن يعبر بها أحد دون أن تعصف مخيلته نحو آلاف السنين ليجد نفسه كائنا فيها في زمن ما في ذاكرته وقراءاته وأحلامه ويجد مع الحكواتي في رمضان دمشق سحرا آخر يضفيه لشوارع مشى عليها فرسان وأحباب نشروا عبقهم ليبقى بين حيطانها وخلف أبوابها السبع.
رهادة عبدوش-الابجدية الجديدة
|