|
بقلم: مصطفى حرويل
كعادته دائماً يختار حكيم مرزوقي ثيمات مسرحياته بجرأة تصل أحياناً حد الإدهاش, لكنه نجح هذه المرة أيضاً في مقاربة حالة اجتماعية قد تكون شائعة, لكنها تقع في خانة المسكوت عنه, غالباً. ففي مسرحيته الجديدة(قلوب)التي عرضت على خشبة مسرح القباني في دمشق, فاجأنا المرزوقي باختيار ممثليه من الفتيات فقط
ينشئ حواراً أنثوياً داخلياً»إن صح التعبير»بحيث لا يكون لرجلٍ فيه أي دور إلا عبر الذاكرة والتذكر, ومن هنا تأتي أهمية الحوار بحيث نكتشف من خلال سياق الأحداث – كما هو الواقع – أن المرأة تتضامن مع المرأة في النهاية على حساب الرجل, رغم صراع الإرادات الذي غالباً ما يكون طُفواً على السطح فقط, ففي المحصلة تنحاز حواء إلى حواء الأخرى في مواجهة آدم, الذي تتم تعريته بشكلٍ فاضح, إلى حد أنه يصبح دريئة تنصب عليها سهام النساء الثلاث اللواتي رغم معرفتهم بخياناته المتكررة ومغامراته العاطفية المبتذلة, لا يستطعن التخلي عنه, إلى أن يكتشفن في نهاية المطاف, أنهن لم يكن سوى الضحايا فقط في لعبة الرجل الأبدية, في سعيه الدؤوب وراء أنثى جديدة تشبع نزوته ونهمه إلى جسد أنثوي قابل للاكتشاف. الرجل بما هو سليل ٌمباشر لأسلافه من فصيلة الثديات والذي يحاول عبر صراعه المستمر للسيطرة على أكبر عدد من إناث القطيع, ربما بغية نقل مورثاته عبرهن أو لإثبات أنه(الذكر المهم) في الجماعة, فهو يقترب من ممارسة طقس بدائي هو أقرب إلى محاكاة مباشرة لعالم ما قبل ظهور الإنسان العاقل, حيث البحث عن الإناث من أجل التزاوج, هو من الأعمال المهمة التي يمارسها الذكر إن لم يكن أهمها. تلامس المسرحية هذه الفكرة ولكن عبر ردود أفعال الإناث وكيفية تلقيهن خذلان الرجل لهن عبر خياناته المتكررة, والتي يراها(رزوق) بطل المسرحية الغائب الحاضر من وجهة نظره هو, كحق مكتسب, وبمنطقه هو الذي نستشفه من خلال ما تتذكره النسوة الثلاث عنه, فهو ليس ذلك النذل التلقيدي الغارق في الجهل والتخلف بل هو شاعر ومثقف ذو قلب كبير وهبه للحياة والفن والموسيقى والذي يشي بكونه رجلا كاملا ً بمقاييس هذا العصر, إضافة إلى فحولته ووسامته التي لا نراها, لكننا نرسم صورتها في مخيلاتنا مما يرشح من حوار النسوة الثلاث عنه. هو رجل يصلح لكل العصور ولكل الطبقات ولكل النساء, وبحديث سريع معه – حتى على سرير المرض في المشفى – هو قادر على إيقاع أي أنثى في حبائله. رزوق أو رزق أو عبد هو حلُم لكل امرأة, لكن الانفراد به هو المهمة المستحيلة. أجادت كل من بطلات المسرحية الثلاث أدوارهن بتنويعات على الشخصيات المتباينة والمتنافرة من حيث النشأة والخلفية الاجتماعية والبيئة القادمة كل منهن على حدة. نعم لقد أدهشتنا رباب مرهج ورولا ذبيان وهيلين جنابي وقدمن إضافات مهمة للتجربة المسرحية السورية على مستوى الأداء الراقي والحضور المتميز اللافت.أطل علينا المرزوقي – عبر صوته – في القسم الأخير من المسرحية, بقصيدة ألقاها دامت لوقت أكثر مما يجب بالنسبة للزمن المسرحي, فكانت رغم جمالها أقرب لأن تكون كولاجاً لا داعي له, حتى الشحنة الشعرية المحمولة فيها والممتلئة بمعانٍ كثيرة راقية وعالية, والتي فيها من السخرية والتمرد والثورة الشيء الكثير, لكنها في الحقيقة لم تكن متناسبة مع مضمون العمل فكان شعورنا أنها أقحمت إقحاماً – في مراحل لاحقة – على النص المكتوب أساساً. أما على مستوى الديكور, فكما هو الحال مع الفرق المسرحية(الطليعية)التي تكتفي غالباً بالحد الأدنى من الإكسسوارات وعناصر الديكور ومحسنات الإبهار البصري, فلم تستثنَ فرقة الرصيف من هذه القاعدة, بل أمعنت في تأكيدها, والسبب كما أخمن, هو غياب التمويل, أو حضوره في الحد الأدنى الذي يشبه الغياب. أخيراً لا بد من تحية فريق العمل الذي استطاع بالجهد والتفاني وحدهما تقديم إضافة لا أجد حرجاً من نعتها بالقيمة.
|