|
سئل الروائي جنكيز ايتماتوف، مرة، عن الحكمة التي خرج بها بعد سنوات طويلة أمضاها في الكتابة، فأجاب بلسان الحكيم فيه: «لكم هو قاس، أن يكون المخلوق إنساناً»! لعل هذه الإجابة الموجزة، الصادمة والمرعبة التي تفوّه بها صاحب «ويطول اليوم أكثر من قرن»، تختزل فكرة مسرحية «الطابعات» للكاتب الأميركي موري شيزجال التي أخرجها، ماهر صليبي بعدما أعدها بالتعاون مع آنا عكاش تحت عنوان «فوتوكوبي»، وهي تعرض، حالياً، على مسرح القباني في دمشق ضمن موسم المسرح القومي لهذه السنة
المسرحية بسيطة في بنائها، لكنها عميقة في جوهرها ودلالاتها، فهي تحكي قصة موظفين شابين وجدا نفسهما، ذات يوم، يعملان في إحدى المؤسسات الرسمية طابعين على آلة كاتبة، غير أن حماسة الشباب كانت ترسم أمامهما آفاقاً أوسع، وأرحب من هذه الجدران الضيقة التي تنخر الروح، فكانا يرددان أن «هذا العمل موقت» إلى أن تسنح الفرصة لمعانقة أحلام مؤجلة. تمر الأشهر، والسنوات الطويلة، ويشتعل الرأس شيبا، ويدب الوهن في الأطراف، وتظل الأحلام الصغيرة عصية على التحقيق، فيقتنعان على مضض بأن الحياة برمتها «موقتة»، وليس فقط العمل بين أربعة جدران سرق من عمريهما أماني بيضاً هي بعيدة جداً، الآن، عن متناول يد مرتعشة، وقلب معطوب، ووجه متغضن نحتته السنون.
لم يشأ المخرج ماهر صليبي أن يفلسف النص كثيراً، بل نأى بنفسه عن كل ما يعيق سلاسة الحوار، والأفكار، وهو في إعداده له طوّع المسرحية المكتوبة في منتصف العشرينات من القرن الماضي، ليتلاءم مع واقع المجتمع السوري، أو العربي، كي يتاح له توجيه النقد إلى «المؤسسات الرسمية» التي تحوّل الإنسان بكل أحلامه ورغباته وتطلعاته إلى مجرد أداة تقوم بعمل روتيني ممل، وسط غياب البدائل، وتعيش حياة رتيبة تتشابه أيامها إلى درجة التطابق. كل يوم جديد في عيون هذين الموظفين لا يعدو كونه «فوتوكوبي» طبق الأصل، عن اليوم الذي سبقه والذي سيليه. وقد نجح العرض في إبراز تلك الخسارة التي تترتب على هذا الأمر، فعلى رغم أن زمن المسرحية يمتد من نكسة حزيران (يونيو) 1967 حتى اللحظة الراهنة، إلا أن هذا الزمن بدا دائرياً، مقفلاً لا جديد يحدث في صباحاته المتشابهة سوى تراكم الخيبة، والانكسار، لدى الموظفين ليلى (يارا صبري)، ومروان (محمد حداقي)، ويشاركهما في هذه المحنة الأبدية المستخدم الأخرس أبو عبدو (منصور نصر) الذي قُطِع لسانه لأنه كشف فساد أحد مديري المؤسسة، فلاذ بالصمت قسراً، بينما ارتقى المدير إلى منصب أعلى، مكافأة له على فساده، وتواطئه!
ومثلما جاءت مقولات المسرحية بسيطة، ومعبرة فإن الفضاء المسرحي أو السينوغرافي جاء بدوره متقشفاً، وموحياً ليحتضن هذه الكوميديا السوداء القاتمة: طاولتان وكرسيان، ومشجب في عمق الخشبة، والى يسار مقدمة الخشبة جهاز راديو، والى اليمين جهاز هاتف... والأرجح أن اختيار هذا الديكور الموحش، والمفرغ من أي حميمية أو ألفة، لم يكن عشوائياً، فهو يمثل صورة دقيقة لمكاتب الموظفين «الصغار» في المؤسسات الرسمية، أولئك الذين يقضون سنوات مضنية بين جدران كئيبة، يفقدون معها الإحساس بموسيقى الحياة، ويحلمون ـ بعدما دجنتهم السنوات ـ بزيادة طفيفة في الراتب، أو مكافأة بخسة، أو إجازة قصيرة، أو عطلة طارئة. وقد أضفت الأغنيات المنبعثة، في شكل مدروس، من جهاز الراديو بعداً جمالياً على إيقاع العمل. فالمخرج استعان بأغنيات لفيروز ليرسم شكلاً آخر، متخيلاً، لحياة طليقة، ومبهجة خارج هذا المكان المقيت. واستعان بأغنيات لزياد الرحباني ليدل على عبثية الحياة، وقسوتها. فضلاً عن أن هذا الجهاز شكل الحل الأمثل للإشارة إلى دورة الزمن، وقد وظفه المخرج لتوجيه النقد الى واقع ثقافي وفني تهيمن عليه القيم الاستهلاكية الرخيصة (أغنية «واوا» لهيفاء وهبي أثارت حفيظة الموظف مروان فرمى الراديو في سطل ماء، وسط سيل من الشتائم البذيئة).
ثمة أعمال فنية كثيرة تناولت قضية «الموظف»، والضجر الذي يلف أوقاته كوشم عنيد، والهموم التي تحيط به وسط تيار الحياة الذي يقوده إلى الكهولة، سريعاً، من دون أن يشعر. لكنّ ما انتبه إليه صليبي هو انه لم يعالج هذا الواقع كقدر محتوم، فالموظف لم يكن راضياً يوماً عن الرتابة التي تقتل طموحه: «الوقت يمر بسرعة، ومع ذلك اشعر بملل فظيع»، كما يقول أحد الموظفين، فتكمل الموظفة «جداً». إن هذين الموظفين اللذين يعيان واقعهما البائس، لطالما شكوَا منه، غير أن غياب الفرص، أجبرهما على الاقتناع به، ومع ذلك لم تستطع هذه القناعة التي فرضت عليهما عنوة، أن تمحو من نفسهما العطش الدائم إلى الحب والسفر والمرح... أحلام صغيرة تتبدد ولسان الحال يقول «تجري الرياح بما لا تشتهي السفن».
ما يلفت في العرض هو ذلك الأداء الجميل والمميز الذي قدمته الفنانة يارا صبري التي تمكنت من تجسيد المراحل العمرية المختلفة لامرأة (موظفة) واحدة، خلال ساعة (مدة العرض). وهذا الانتقال من فتاة شابة إلى عجوز يتطلب مقداراً كبيراً من الجهد، ومن الاشتغال على حركة الجسد، وإتقان نبرة الصوت، وإدراك الحال النفسية المركبة للشخصية، لا سيما أنها كانت موظفة عانساً تعاني القلق، وعقداً نفسية راحت تتفاقم مع الأيام. ونجحت صبري في المزج بين التراجيدي والكوميدي، وأثبتت أن قدراتها التمثيلية تتجاوز حدود «التنميط» الذي وضعتها فيه الدراما السورية. والأمر ذاته ينطبق على الفنان محمد حداقي لكن المختلف هنا هو انه أدى دوراً غلبت عليه الكوميديا التي لطالما عرف بها في الدراما السورية، مع ضرورة الإشارة إلى التباينات بين المسرح والدراما التلفزيونية، فالمسرح يتطلب طاقة تعبيرية استطاع حداقي، أن يظهرها من خلال هذا الدور، وان يشكل مع يارا ثنائياً متناغماً، برز في شكل مؤثر إزاء «الصمت الحزين» للفنان منصور نصر بحركاته البطيئة، المتعبة التي ترثي «العمر الجميل» باستياء عارم. وبليغ لا يحتاج إلى أي كلام.
وتكاملت هذه العناصر مع إضاءة بسام حميدي، وديكور نعمان جود، وموسيقى شفيع بدر الدين، وأزياء ظلال الجابي، لتشكل «فوتوكوبي» إضافة نوعية للسيرة الفنية لماهر صليبي. الذي سبق أن أخرج مسرحيات مثل «صمت الكلام»، و»تخاريف»، و»الرقصة الأخيرة»، و»كونشيرتو»... وعمل ممثلاً في مسرحيات وأفلام ومسلسلات تلفزيونية يصعب تعدادها. ويمكن تلمس الهاجس الذي يتحكم باختيارات صليبي، فهو يذهب إلى أكثر المواقع ألماً، ويسعى إلى معالجته ببساطة تولي اهتماماً لدواخل الفرد المعطوب، والمحروم، فيكشف فيها تلك البراءة الفطرية، وتلك التلقائية المحببة التي شوهتها الرداءة والابتذال
عن موقع الزوراء. |