|
لدراما العربية.. إلى أين؟! |
|
لو استثنينا بعض الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية التي حققت توازناً من النجاح، نصاً وإخراجاً وإنتاجاً وتمثيلاً، واستطاعت أن تلامس بعض مشكلات مجتمعاتنا، الوطنية أو الاجتماعية أو السياسية،
لفرض السؤال نفسه علينا:
هل استطاعت الدراما العربية، (من خلال سيول العروض التي أغرقت السوق السينمائية والتلفزيونية) منذ بداياتها حتى الآن، أن تحقق التوازن المفترض بين رسالتها الفنية (الوطنية والاجتماعية والأخلاقية) بما يخص مجتمعاتنا، وبالتالي المساهمة في رفع ذائقة المتلقي (وهي رسالة ومسؤولية جماعية) دون إسفاف ودون صراخ، وهي تدعي على قاعدة (شباك التذاكر) بأنها حققت نجاحات آنية دليلها الرصيد الآتي منه؟
أعتقد أن الرضا بالمطلق عن هذا الواقع فيه كثير من التخيل، فالدراما كما كل شيء تقريباً في ظروف هزائم العرب على كل الجبهات، تعاني أيضاً هبوطاً كبيراً في قدرتها على مواكبة مشكلات الناس وهمومهم، ومواجهة العداءات المعلنة والمخفية علينا سياسياً واحتلالياً وعولمة، وتعاني سقطات آخذة بالتزايد على خلفيات كثيرة، لعل أهمها الرغبة في الكسب بأسهل الطرق، دون الالتفات إلى الاعتبارات الأخرى. وهذا يأخذ ذائقة المتلقي إلى التقبل شيئاً فشيئاً هذا الهزيل الذي يعرض عليه، وهو أيضاً (أي المتلقي) واحد فاعل ومتفاعل في دوامة حركة الهبوط العام في كل الميادين والمجالات.
الأمر الثاني صرعة التقليد، وأتمنى أن لا يخرج من يتهمني (بعقدة المؤامرة) أو (التطرف)! وهذا التقليد يخضع في معظمه لعروض الإثارة والأكشن والفانتازيا الرخيصة المستوردة من عالم لا يعاني مشكلات بحجم مشكلاتنا، ويعيش في مساحة واسعة من الترف.
وهذا بطبيعة الحال يقود إلى توسيع الفجوة بين الواقع المُعيش، وبين المتخيّل غير الواقع، البعيد عن ملامسة هموم الجماهير ومشكلاتهم ومعاناتهم في مجتمعاتنا.
إذا كانت الغاية من تلك العروض السينمائية والتلفزيونية التسلية العبثية، وتمضية أو قتل الوقت والإثارة غير الموجهة، فقد نجحنا بامتياز.
أما إذا كانت الغاية تطوير مدركاتنا، والولوج في صميم مشكلاتنا وهمومنا، والبحث عن حلول ناجعة لها، ورفع سوية التذوق لدى العامة، فقد سقطنا بامتياز أيضاً! وأنا لا أبخس الأعمال الجيدة والهادفة (سينمائياً وتلفزيونياً) حقها. ولكن يفرض علينا الحال أن نقف أمام سؤال قد يكون الأهم: على من تقع مسؤولية هبوط مستوى الأداء الدرامي العربي؟! أعلى النص، أم الإنتاج، أم الإخراج، أم التمثيل، أم المتلقي، أم أن هناك عوامل وأسباباً أخرى؟
لقد أثبت الممثل العربي (ذكوراً وإناثاً) قدرة عالية على الأداء الدرامي بكل أنواعه وأشكاله، وفي ظروف صعبة في كثير من الأحايين، ولا أعتقد أننا نختلف على ذلك. الإخراج أيضا،ً ولا أعتقد صوابية وضع المخرج في مُساءلة كاملة (ولا أُبرئه من ذلك بالعام في ظروف معينة)، إذا لم يكن بين يديه غير هذه النماذج من النصوص، وميزانية عمل محصورة على مقاس حسابات المنتج.
أما المتلقي، فهو يخضع في كثير من الأحوال إلى القبول بالمتوفر والسهل، وعلى خلفية إحساسه بالظلم والقهر والإلغاء، وفي ظروف التفاوت الطبقي والاجتماعي الواسع بين فئة قليلة وأخرى كبيرة، تدفعه إلى الرغبة في الخروج ولو لساعة أو تزيد من واقعه، إلى متعة وتسلية عبثية، ومشاهد الأكشن بعيدة عن اهتماماته، تأخذه شيئاً فشيئاً إلى التهليل والرضا، بل والتصفيق للرخيص التافه. المتلقي هو المستهدف والمستهلك المثالي.
يبقى أمامنا ثلاث جهات تحمل تلك المسؤولية: النص أولاً: والإنتاج ثانياً، والمؤسسات الرسمية المتخصصة (إن وجدت) التي تتبع الدولة ثالثاً، والمفترض أن تكون قائمة وبقوة أيضاً، لأنها الأقدر على اختيار النص والصرف على الإنتاج، دون اللهاث وراء الكسب المجرّد.
إذا استعرضنا في هذه المرحلة ما يعرض على شاشات الفضائيات، أو في صالات السينما العربية دون تحديد جهة بعينها، نستطيع أن ندرك أسباب هذا الهبوط المرعب لتلك العروض التي لا أستطيع من موقع حيادي، إلا أن أقول إنها تافهة ورخيصة، تعتمد أكثر ما تعتمد على الفانتازيا الغريبة عن حيواتنا، والأكشن الخيالي، والمثير دون ضوابط أخلاقية.
ونستطيع أن نطرح أسئلة في تلافيفها الكثير من الأجوبة: أين المثقف العربي وسط ذلك كله؟ أين الطرح البسيط والحقيقي لحجم همومنا ومشكلاتنا على كل المستويات؟ أين تراثنا الأصيل الصادق وتاريخنا ومفاخرنا؟ أين تطلعاتنا وهويتنا وانتماؤنا؟
أسئلة إذا ولجت في تعداد مفرداتها فلن أنتهي من طرحها أبداً.
لقد استطاع المتلقي العربي أن يعبّر بقدرة عالية وإدراك واعٍ، عن تقبله كل ما يلامس همومه، وكل ما يدفع فيه أصالته، ويعرض عليه مفاخره وتاريخه المضيء، ويعالج بطريقة ما أحد الهموم التي تعنيه وتخصه، كان ذلك في العديد من العروض الجادة التي قدمتها السينما والتلفزيون.
ومما لا شك فيه أن المتلقي العربي بغالبيته مطواع، يستطيع أن يتأقلم ويرضى ويقبل ويهلل مع المطروح عليه، وهذا سلوك استثنائي قد لا يكون له مثيل في المجتمعات المترفة، وهذا أيضاً يبقي فينا بصيص أمل لنوجّه نداء إلى ضمائر الكتاب والمخرجين والمنتجين والجهات الرسمية أن تعمل على رفد السينما والتلفزيون بين وقت ووقت، بالجاد الملتزم الذي يملك أدواته الفنية والتقنية، (ولا أقول الجاف المجرد)، وأنا على يقين أن مردودات (شبابيك التذاكر) لن تبخل عليهم بالجزاء، لكنهم بذلك يواكبون هموم الناس وملامسة مشكلاتهم، وتقديم رسالتهم وهي جزء من المسؤولية الوطنية عامة، لنستطيع جميعاً أن نخرج من مواصلة السقوط ثقافياً، والثقافة هي المعبّر الأهم عن هوية الشعوب وانتمائها إلى أوطانها.
بقلم: عدنان كنفاني- عن موقع جريدة النور |